نُشر هذا المقال في صحيفة نداء الوطن ضمن زاوية “تحت المجهر”، حيث يناقش الكاتب مازن مجوز إشكالية التعليم أونلاين في لبنان بين كونه أزمة بنيوية تعكس ضعف الجاهزية، أو فرصة حقيقية لإطلاق مسار التحول الرقمي في القطاع التربوي.
يعالج المقال بعمق تجربة التعليم أونلاين في لبنان التي تسارعت بشكل مفاجئ نتيجة الأزمات المتلاحقة، بدءًا من جائحة COVID-19 وصولًا إلى الظروف السياسية والاقتصادية التي فرضت على المؤسسات التعليمية اعتماد التعليم عن بُعد كخيار اضطراري. إلا أن هذه التجربة، بدل أن تشكّل انتقالًا سلسًا نحو العصر الرقمي، كشفت عن خلل هيكلي عميق في بنية النظام التعليمي اللبناني، حيث لم يكن هذا التحول مدعومًا باستعداد مؤسساتي كافٍ أو رؤية استراتيجية واضحة.
ينقل المقال رؤية نقدية للدكتور التربوي بيار جدعون، الذي يرفض اختزال أزمة التعليم أونلاين في لبنان في بعدها التقني، معتبرًا أنها أزمة متعددة الأبعاد تشمل التشريع، والبنية التربوية، والواقع الاجتماعي، وحتى الحالة النفسية للمتعلمين. فالتعليم الرقمي، وفق هذه المقاربة، ليس مجرد نقل المحتوى عبر الإنترنت، بل هو منظومة متكاملة تتطلب بنية تحتية رقمية متينة، وتصميمًا تربويًا متطورًا، وكوادر تعليمية مدرّبة، وأطرًا قانونية واضحة تنظم العملية.
ويبرز المقال أحد أبرز أوجه الخلل في غياب التشريعات المنظمة، حيث بقيت المبادرات السابقة، مثل مشروع ADIP المدعوم أوروبيًا، دون ترجمة فعلية إلى قوانين نافذة. هذا الفراغ التشريعي أدى إلى اعتماد حلول ظرفية خلال الأزمات، ما رسّخ نمطًا من الإدارة الارتجالية بدل بناء نظام مستدام قادر على التكيّف مع الطوارئ. وهنا تتجلى أزمة التعليم أونلاين في لبنان كأزمة حوكمة بقدر ما هي أزمة تقنية.
ويقدّم جدعون إطارًا تحليليًا لفهم واقع التعليم أونلاين في لبنان عبر ما يسميه “السلم الخاص بلبنان”، وهو نموذج يحدد أربعة مستويات مترابطة من التحديات. في المستوى الأول، تظهر الجاهزية الرقمية كعائق أساسي، من خلال ضعف الإنترنت وارتفاع تكلفته، إضافة إلى عدم توفر الأجهزة الإلكترونية لدى شريحة واسعة من الطلاب، فضلًا عن غياب منصات تعليمية متخصصة، ما دفع بعض المؤسسات لاستخدام أدوات غير مصممة للعملية التعليمية.
أما المستوى الثاني، فيرتبط بالجاهزية التربوية، حيث تكشف التجربة عن ضعف تدريب المعلمين على أدوات التعليم الرقمي وأساليبه، إلى جانب نقص في مهارات إنتاج المحتوى التفاعلي وتصميم الأنشطة الرقمية. كما تبرز إشكالية تقييم الطلاب وضمان جودة التعليم في البيئة الافتراضية، في ظل غياب معايير واضحة وآليات رقابة فعالة.
في المستوى الثالث، يسلّط المقال الضوء على البعد الاجتماعي، حيث يؤدي التفاوت في الوصول إلى التكنولوجيا إلى تعميق الفجوة التعليمية، ما يجعل التعليم أونلاين في لبنان عاملًا قد يزيد من عدم المساواة بدل أن يحدّ منها. أما المستوى الرابع، فيتناول البعد النفسي، إذ يفتقر التعليم عن بُعد إلى التفاعل الإنساني المباشر، ما يؤثر سلبًا على دافعية الطلاب ويضعف اندماجهم في العملية التعليمية.
ويعزز المقال تحليله بالإشارة إلى دراسات حديثة حول التعليم المدمج، تؤكد أن نجاح هذا النموذج يعتمد بشكل أساسي على الجاهزية المؤسسية والتكنولوجية، إضافة إلى توفير الدعم التقني المستمر. كما تظهر هذه الدراسات أن التحديات لا تقتصر على البنية التقنية، بل تشمل مهارات إدارة الوقت والتفاعل داخل البيئة الرقمية، ما يستدعي إعادة تصميم شاملة للعملية التعليمية.
في الخلاصة، يقدّم المقال رؤية تعتبر أن التعليم أونلاين في لبنان يقف عند مفترق حاسم: فإما أن يبقى حلًا مؤقتًا هشًا يُستخدم عند الأزمات، أو يتحول إلى ركيزة أساسية ضمن نظام تعليمي حديث. ويتطلب هذا التحول الانتقال من ردود الفعل الظرفية إلى بناء استراتيجية وطنية متكاملة تقوم على تشريع واضح، واستثمار في البنية الرقمية، وتأهيل الكوادر التعليمية، وتعزيز الشراكات بين مختلف الفاعلين في القطاع. كما يبرز التعليم المدمج كخيار واقعي يوازن بين المرونة الرقمية والحضور التربوي، ما يجعله أحد أبرز ملامح مستقبل التعليم.



