مستقبل المدرسة والتحولات الرقمية. د. مراد البهلول

لا بد لاي عملية تطوير او اصلاح للتربية و التعليم من توجيه التفكير في مسألتين ستحددان حسب رايي شكل التعليم المستقبلي: المسالة الاولى تتعلق بالوظيفة الاجتماعية للمدرسة واشكال التنشئة الاجتماعية التي تشتغل وفقها و تعمل على تاصيلها لدى المتعلمين و المسالة الثانية تتعلق بالوظيفة التعليمية في علاقة بعصر نهاية النموذج التعليمي القائم على صورة اضحت كاريكاتورية : دفتي الكتاب و جدران الفصل.

1- الوظيفة الاجتماعية : تتغير اليات التماسك المجتمعي في العالم لتتاسس على مبدا جديد يمكن ان نسميه سيادة الفرد كقوة تحرر و اختيار وتغير مستمر. يتمظهر ذلك من خلال نقد مفهوم السلطة كقوة اخضاع و الهوية كتكيف مع ثوابت و معطيات سابقة عن التجربة الفردية. ثمة اليوم رفض لمفهوم التنشئة الاجتماعية والسلطة كقوة اخضاع للفرد ضمن الكلي و للرموز الكلاسيكية التي تقوم عليها هذه السلطة : السلطة الذكورية و الجندرية و كل الاشكال السلطة القائمة على الانماط التقليدية للفكر و السلوك.. كما اضحت الهوية – كمعطى ثابت محدد ماقبلي- محل نقد كبير. ليست الهوية لدى الافراد معطى يتحدد عند الولادة و منذ البداية. انها ديناميكية بناء تتجدد طوال الحياة. ليست الهوية مجموعة من العناصر الموضوعية الثابتة التي يتلون بها الفرد و ينطبع. اضحت الهوية الفردية ، استثمارًا عاطفيًا/ذاتيًا قويًا من خلال تجارب فردية و جماعية تؤثر المرجعيات الجديدة في تشكيلها و تلوينها : مجموعات الأقران ، والجمعيات، ووسائل الإعلام، و التكنولوجيا الرقمية و ترابط العالم و قضاياه و اشكالياته و صراعاته المتعددة و العلاقات و الماركات التجارية، ومنطق السوق و الاستهلاك و التجارب اللغوية والعاطفية و العلائقية المتعددة.

2- الوظيفة التعليمية : أدي انفجار التقنيات الرقمية إلى إنهاء احتكار المؤسسات التعليمية لنقل المعرفة وتسهيل تداول المعلومات والمعرفة خارج التعليم النظامي و خارج اسوار المدرسة.. تعمل تكنولوجيا المعلومات و الاتصالات و كل اشكال الذكاء الاصطناعي على تغيير مجتمعاتنا و علاقتها بالمعرفة و العمل و الثقافة و التعلم. ان الخطأ الكبير الذي قد نقع فيه هو اعتبار التكنولوجيا الرقمية مجرد وسيلة تستعمل لتساعد التعلم في شكله الحالي و على ما هو عليه من محتويات و تنظيم بيداغوجي وبيئة تعلمية و زمن و تقيبم الخ. ينبغي التعامل مع الرقمنة على انها تشكل جديد لبنية ذهنية جديدة تتطلب مراجعة الصنافات البيداغوجية التي الفناها و انبنت عليها المقاربات التعليمية و التقييمية الراهنة كما تتطلب ابضا صياغة و بلورة لمرجعيات جديدة للتعليم و التقييم ولكن أيضا مراجعة لمفهوم التعليم النظامي في علاقته بالتعليم اللانظامي و الغير نظامي. لا يعد هذا التحدي مجرد اختيار عرضي يمكن الاقتصاد فيه. انه يمثل وعيا عميقا بالتحولات الجذرية التي يعيشها الاقتصاد السياسي على مستقبل المدرسة كمؤسسة مادية وجغرافية واجتماعية. فالاقتصاد السياسي الجديد يعلن عن دخولنا “عصر عن بعد”. الذي طال مفهوم العمل وأشكال ممارسته لكن أيضا أشكال التنظيم المؤسساتي والتكوين و العلاقات الاجتماعية. فنحن نعيش عصر الاقتصاد عن بعد والعمل عن بعد والتواصل عن بعد والتكوين عن بعد والبيع والشراء عن بعد و التعارف والتحابب عن بعد. ما يميز عصر عن بعد هو غياب الجسد المادي والتواجد المكاني و الذاتية. تتشكل مع الثورة الرقمية أنماط جديدة للإنتاج و نظام العمل يضعف بمقتضاها العمل الإنساني ويضمحل السوق في مفهومه الفيزيائي و المادي والجغرافي لصالح الفضاء الرقمي. الأسواق الافتراضية هي عبارة عن منافذ رقمية على شبكات الانترنت التي عوضت كراء المحلات المكانية.

اي مصير للمدرسة في عصر المنافذ الرقمية؟ اي مصير للمدرسة في تجسدها المكاني وفي مفهومها البيداغوجي الكلاسيكي؟ اية توجهات وآية تطورات ممكنة؟ الا تستدعي منا هذه التحولات تفكيرا اخر في علاقة بما يحدث؟قد يبدي كثير ممن لا يزالون يفكرون في إطار اجتماعي قديم نوعا من التحفظ والمقاومة لهذه الحركة التاريخية. لكن ذلك لن يمنع التعليم من ان يصبح افتراضيا يتم في وضعيات افتراضية بوسائل تعلمية افتراضية في امكنة افتراضية وفي مدارس ومعاهد وجامعات افتراضية. ينبغي أن نستعد لهذه المدرسة الآتية ولا ريب و التي سوف تضع حدا للمدرسة المكانية وتجعل الفرد منخرطا في سيرورة تعلمية لا نهاية لها. يصبح لزاما على الدولة الوطنية ان تخرج من سباتها العميق وان تفكر بكثير من الجراة في التوجهات التربوية المستقبلية لان ما سوف يحدث من تغيرات جذرية للمدرسة لا يمكن فصله عما يحدث الان في الاقتصاد وفي الأشكال الجديدة للإنتاج وتنظيم العمل. إن اي محاولة اليوم لتغييب التفكير في مصير المدرسة في عصر العولمة و عصر المنافذ الرقمية سيرافقه لاحقا كثير من الألم نتيجة اضمحلال وتلاشي المدرسة الوطنية.

شارك هذا المقال :
WhatsApp
Facebook
X
LinkedIn