معرض بيروت للكتاب… آخر حصون الجمال في وطن ينهشه التجاذب. بقلم فاروق غانم خداج

تخيّل زائرًا يخطو أولى خطواته داخل صالة معرض بيروت للكتاب، يلتقط أنفاسه من عبق الورق الجديد ورائحة الحبر الممزوجة بالذكريات. يراوده شعور غريب بين الحنين والدهشة، بين الماضي الذي كانت فيه بيروت ملتقى الشرق والغرب، والحاضر الذي يموج بأزمات لا تنتهي.

هنا، يصبح المعرض أكثر من مجرد مكان للكتب؛ إنه مشهد حيّ للثقافة والصمود، ونافذة تُطل على ما تبقى من معنى الحياة في وطنٍ ينهشه التجاذب.

منذ بداياته، حمل معرض بيروت للكتاب بُعدًا أكبر من كونه حدثًا ثقافيًا عابرًا. فقد ارتبط في ذاكرة اللبنانيين والعرب بمحطات سياسية واجتماعية مفصلية، وكان أشبه بمرآة تعكس صورة المجتمع بآماله وانكساراته.

لم يكن مجرد رفوف تُرصّ عليها الكتب، بل ساحة لقاء بين الكتّاب والقراء والمفكرين، وحوارًا مفتوحًا بين الهواجس المحلية والهموم العربية، ومنبرًا يعكس روح لبنان الحيّة والفكر الحر.

في سنوات الحرب اللبنانية، حين كان الرصاص يملأ الشوارع، كان المعرض يفتح أبوابه متحديًا الخوف، كأنه يعلن أن الحرف أقوى من الرصاصة، وأن الثقافة أوسع من المتاريس.

هذا الإصرار على الاستمرار جعل منه رمزًا للصمود الفكري والجمالي، وحافظ على صورة لبنان كمنبر للحرية الفكرية في محيط مأزوم.اليوم، يبدو المشهد أكثر تعقيدًا.

فالمعرض الذي كان يتباهى يومًا بصفوف الزائرين والكتب المترجمة من شتى اللغات، صار يعاني من ضيق الموارد، وتراجع دور المؤسسات، وانكفاء القراء في ظل أزمات معيشية خانقة.

الكتاب نفسه بات ترفًا في بلد بالكاد يجد فيه المواطن قوت يومه. ورغم ذلك، لا يزال المعرض يُقام، وكأنه يصرّ على أن إشعال شمعة في هذا الظلام أفضل من لعنه ألف مرة.

مع ذلك، لا يمكن إغفال المخاطر التي تهدد بقاء المعرض. فالجمال في لبنان كثيرًا ما يُختطف لحسابات صغيرة. وقد شهدنا كيف أن مهرجانات موسيقية ومسرحية رائدة تراجعت أو أُلغيت بفعل التجاذبات أو ضعف الدعم.

وقد يصبح المعرض، كما حدث في مناسبات ثقافية أخرى، رهينة خلافات تخص التمويل أو الرعاية أو المحتوى. فهل ينجو المعرض من هذا المصير؟ وهل يستطيع أن يظل خارج لعبة المحاصصات والولاءات؟ هذا هو السؤال الذي يقلق كل غيور على ما تبقى من صورة لبنان الثقافية.

بيروت التي وُصفت يومًا بأنها “باريس الشرق”، لم تكن باريس فقط بمبانيها أو مقاهيها، بل بأدبها وصحافتها وصالوناتها الفكرية. وإذا خسر اللبنانيون معرض الكتاب، فإنهم يخسرون إحدى آخر العلامات الفارقة التي تجعلهم شعبًا حيًّا، لا جموعًا تائهة في دوامة الاستهلاك اليومي واليأس السياسي.

المعرض لم يكن مساحة للعرض فقط، بل مكانًا للقاء الأجيال. الأطفال والشباب يجدون فيه نافذة إلى عوالم جديدة، بينما الكتّاب والباحثون يجدون فضاءً لتبادل المعرفة والآراء.

هنا يقرأ الطالب ما لم يتسن له في المدارس، وهناك يتعرف القارئ على مؤلفات من الشرق والغرب. وفي كل زاوية من زوايا المعرض، إشارات على تاريخ لبنان الثقافي الممتد، على قصص المدن والقرى، على أدب المقاومة والتجربة الإنسانية.

إن بيروت اليوم تواجه محنة مزدوجة: محنة اقتصادية ومعيشية، ومحنة ثقافية تهدد وجود الجمال نفسه. ففي مجتمع يُعاني من الانقسامات، يصبح أي فعل ثقافي حُرّ عرضة للتجاذب أو للإلغاء. والحق أن الخوف يكمن في أن كل شيء جميل في بلاد الأرز يُخشى أن يُلغى أو يُحوّل إلى أداة صراع، فيصبح الوطن في حالة نضوب بعدما كان وجهاً مشرقًا وملتقى للثقافة والفكر.

يبقى معرض بيروت للكتاب شاهدًا على أن ثمة من يصرّ على حمل شعلة الثقافة مهما كان الظلام حالكًا. هو ليس مجرد مناسبة للقراءة، بل مساحة لاستعادة الذات اللبنانية والعربية في زمن التبعثر، وفعل مقاومة أمام محاولات طمس الهوية.

الكتب هنا تروي حكاية وطن، وتذكر بأصوات اختفت أو كادت تختفي، وتفتح الأمل في أن لا يفقد اللبنانيون قدرتهم على الحلم والتفكير الحر.هذا المعرض يعكس حيوية المجتمع وقدرته على مواجهة الانكسارات.

ففي كل صفحة مكتوبة، وفي كل كتاب يُعرض، تتأكد رسالة واضحة: لبنان لا يزال حيًّا بالثقافة والفكر، وأن الجمال لم يمت رغم كل الظروف. والحضور المستمر، مهما قلّ، هو إعلان صمود يفرض احترامه على كل من يحاول تحييد الثقافة أو تهميشها.

إن إلغاء معرض بيروت للكتاب، إن حدث، لن يكون مجرد إلغاء حدث ثقافي، بل إعلانًا رسميًا عن إعدام الجمال في هذا الوطن. في بيروت، المدينة الشاهدة على التاريخ، لن يموت الجمال طالما ثمة من يقرأ ويرى ويتماسك.

نشرت في النهار البيروتية

شارك هذا المقال :
WhatsApp
Facebook
X
LinkedIn