من الاقتصاد الرقمي إلى ثقافة البساطة: لماذا يعيد جيل Z اكتشاف الحياة الهادئة؟ قراءة سوسيولوجية ونفسية في ظاهرة “Nonna Maxxing” وعلاقتها بعصر الذكاء الاصطناعي | عبير درويش

بعد سنوات من تمجيد السرعة والإنتاجية والعمل المتواصل، بدأ جيل Z يقود تحولًا ثقافيًا لافتًا يعيد الاعتبار إلى الحياة الهادئة والبسيطة. ففي الوقت الذي يتسارع فيه تطور الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي، يتجه كثير من الشباب إلى الطهو المنزلي، والقراءة، والمشي، والعناية بالنباتات، وتقليل استخدام الهواتف، فيما أصبح يعرف على منصات التواصل باسم Nonna Maxxing أو “اتباع أسلوب حياة الجدة”.

ورغم أن هذا الاتجاه يبدو للوهلة الأولى مجرد موضة، فإن علماء الاجتماع وعلماء النفس يرون فيه استجابة طبيعية لضغوط العصر الرقمي. فقد نشأ جيل Z في عالم لا يعرف الانفصال عن الإنترنت، وسط الإشعارات الدائمة والمحتوى السريع والمقارنات المستمرة، ما أدى إلى إرهاق ذهني وشعور متزايد بالقلق. لذلك أصبحت البساطة بالنسبة إلى كثيرين وسيلة لاستعادة السيطرة على الوقت والانتباه.

كما دخل هذا الجيل سوق العمل في ظروف صعبة تزامنت مع جائحة كورونا، وارتفاع تكاليف المعيشة، وعدم الاستقرار الوظيفي، مما دفعه إلى إعادة النظر في مفهوم النجاح. فبدلًا من ربطه بعدد ساعات العمل أو الإنجازات المتراكمة، بات النجاح يعني امتلاك وقت للحياة، وصحة نفسية أفضل، وعلاقات إنسانية أكثر استقرارًا.

ولا يعكس هذا التحول رفضًا للتكنولوجيا، بل محاولة لإعادة وضعها في مكانها الصحيح. فجيل Z يستخدم الذكاء الاصطناعي بكثافة، لكنه لا يريد أن تتحول الشاشات إلى مركز حياته. ومع توسع قدرات الذكاء الاصطناعي في إنجاز كثير من المهام، بدأ الشباب يمنحون قيمة أكبر للأشياء التي يصعب أتمتتها، مثل الإبداع، والفنون، والعلاقات الإنسانية، والطهو، والطبيعة، والهوايات اليدوية.أما اختيار “الجدة” رمزًا لهذا الاتجاه، فيعود إلى أنها تمثل في الثقافة الغربية الحكمة، والاستقرار، والإيقاع الهادئ، والدفء الأسري، والرضا بالحياة. لذلك فإن تقليد أسلوب حياتها لا يعبر عن حنين إلى الماضي، بل عن رغبة في مقاومة ثقافة السرعة والضغط المستمر.

وتشير دراسات علم النفس إلى أن السلوكيات المرتبطة بهذا النمط، مثل المشي، والطهو، وتقليل استخدام الهاتف، وتعزيز العلاقات الاجتماعية، ترتبط بانخفاض مستويات القلق وتحسن جودة الحياة. ومع ذلك، يحذر الباحثون من تحويل البساطة نفسها إلى موضة ملزمة أو معيار جديد للكمال.

في النهاية، لا يبدو أن Nonna Maxxing يمثل انسحابًا من العصر الرقمي، بل محاولة لإيجاد توازن أكثر نضجًا بين التكنولوجيا والحياة. فالمستقبل قد لا يكون أكثر تقنية فحسب، بل قد يكون أيضًا أكثر تقديرًا للهدوء، والعلاقات الإنسانية، والوقت الذي يمنح الإنسان معنى لحياته، وهي قيم لا يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يحل محلها.

شارك هذا المقال :
WhatsApp
Facebook
X
LinkedIn

Your Next Chapter Starts Here

I'll help you unlock new opportunities and turn your passion into progress
آخر الإضافات

النشرة البريدية

بريدي من بيروت
اشترك لتصلك رسائل فكرية وأدبية من قلب المدينة.