أنسنة الآلة قبل أتمتة الإنسان: د. بيار جدعون يطرح في القاهرة منظومة عربية للتعلّم الذكي مدى الحياة


القاهرة، 8 أيلول/سبتمبر 2026.

بصفته خبيراً في المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (الألكسو)، شارك الدكتور بيار جدعون في أعمال الملتقى العربي الثالث لتعليم الكبار والتعلّم مدى الحياة، المنعقد بالتزامن مع الاجتماع الثاني للجنة التنسيق العليا للعقد العربي لمحو الأمية والتعلّم مدى الحياة، في القاهرة بين الثامن والعاشر من أيلول/سبتمبر 2026.
وقد نظّمت الملتقى الأمانةُ العامة لجامعة الدول العربية، عبر إدارة التربية والتعليم والبحث العلمي في قطاع الشؤون الاجتماعية، بالتعاون مع إدارة التربية ومعهد البحوث والدراسات العربية في الألكسو، تحت عنوان “تحوّلات التعلّم مدى الحياة: من الاستجابة للتحديات إلى استشراف المستقبل”.


وجاءت مداخلة جدعون في جلسة العمل الأولى من اليوم الافتتاحي، إلى جانب مداخلة معالي الأستاذ الدكتور الهلالي الشربيني، وزير التربية والتعليم المصري الأسبق، وحملت عنوان “التحوّل الرقمي والذكاء الاصطناعي في التعلّم مدى الحياة: نحو منظومات تعلّم عربية ذكية وشخصية وشاملة”، وأعقبها نقاش عام مع المشاركين.
انطلق جدعون من معطى يختصر حجم التحدّي: يتوقّع أصحاب العمل أن تتغيّر 39% من المهارات الأساسية للعاملين، في المتوسط، بحلول عام 2030. وفي عالم يتبدّل بهذه السرعة، يصبح الجمود المؤسسي والفردي كلفةً باهظة، ويغدو التعلّم المستمر وإعادة التأهيل شرطاً للبقاء لا ترفاً معرفياً.


ومن هذا المنطلق قدّم الهيوتاغوجيا (Heutagogy) بوصفها المرحلة التالية لمسار نظريات التعلّم بعد البيداغوجيا (Pedagogy) والأندراغوجيا (Andragogy)؛ مقاربةٌ تجعل المتعلّم صاحب الوكالة على تعلّمه، يحدّد أهدافه ومساراته، ويستثمر خبراته، ويتأمّل في ما تعلّمه ليعيد توجيهه.


ورسم جدعون البيئة الحاضنة لطرحه عبر قراءة لتطوّر الاستراتيجيات الرقمية في دول جامعة الدول العربية منذ القمة العالمية لمجتمع المعلومات في جنيف عام 2003 وتونس عام 2005، مستنداً إلى أطر الإسكوا والاتحاد الدولي للاتصالات. وقسّم هذا المسار إلى أربع مراحل تراكمية.


امتدّت المرحلة الأولى بين 2003 و2010 وانشغلت بسدّ الفجوة الرقمية وبناء شبكات الاتصال ووضع القواعد القانونية والأمنية الأولى، وصولاً إلى النواة الأولى للحكومات الإلكترونية. ثم جاءت المرحلة الثانية بين 2010 و2017 لتنقل العمل الحكومي إلى الرقمنة (Digitization) وأتمتة العمليات (Digitalization) وتوحيد الخدمات العامة عبر المنصّات الإلكترونية.


وفي المرحلة الثالثة، بين 2017 و2021، أعادت الحكومات والشركات هيكلة أساليب عملها على قاعدة البيانات الضخمة والحوسبة السحابية والهوية الرقمية الموحّدة، مع صعود مبادرات المدن الذكية واقتصاد المعرفة. أمّا المرحلة الرابعة، الممتدة منذ 2021، فهي عصر الذكاء الاصطناعي والحوكمة المتقدّمة، حيث تتكاثر الاستراتيجيات الوطنية، كما في الإمارات والسعودية، ويتحوّل الهدف من الاستهلاك الرقمي إلى الابتكار السيادي ودمج الذكاء الاصطناعي في قلب الإنتاج الوطني، في ظلّ أطر تنظيمية تضع الأخلاقيات في صدارتها.


على هذا الأساس عرض جدعون “المنظومة الذكية التكاملية” (IIES)، ثمرة أبحاثه التطبيقية، وأطلق من خلالها “إطار الكفايات التكاملية للتعلّم الذكي مدى الحياة”. ويقوم الإطار على فرضية مركزية: إنّ التكامل بين القيادة الذاتية والتعلّم مدى الحياة والحوكمة الرشيدة والتحوّل الرقمي والذكاء الاصطناعي رافعةٌ لتطوير الفرد والمؤسسة والمجتمع، بشرط أن يرتكز على الإشراف والوكالة البشرية والمسؤولية والأخلاقيات والاستدامة. فالمطلوب أنسنة التكنولوجيا، لا استبدال الإنسان بها.


ويتوزّع الإطار على أربعة مجالات مترابطة. يضمّ مجال القيادة الذاتية والهيوتاغوجيا كفاية التشخيص المعرفي الذاتي، وكفاية إدارة المسار التعليمي المستقل، وكفاية التنظيم المعرفي المرن. ويضمّ مجال المرونة المعرفية والتفكير النظمي كفاية التفكير المنظومي المركّب، وكفاية التأقلم والتكيّف، وكفاية حلّ المشكلات غير النمطية.
ويركّز مجال الابتكار والريادة لتوليد القيمة على كفاية تحويل المعرفة إلى قيمة، وكفاية توظيف الكفايات والمهارات المصغّرة (Micro-credentials)، وكفاية التعاون من أجل الريادة. ويكتمل البناء بمجال المواطنة الرقمية والذكاء الاصطناعي التكيّفي، الذي يشدّد على كفاية هندسة الأوامر للتواصل مع الآلة (Prompt Engineering)، وكفاية ثقافة البيانات والخوارزميات والتفكير الناقد، وكفاية التفاعل الأخلاقي مع الذكاء الاصطناعي.


وربط جدعون فاعلية هذا الإطار بشرط عملي واضح: إنّ التعلّم المرن والمحمول وتحليلات التعلّم والمنصّات الرقمية قادرة على توسيع فرص الوصول إلى التعليم، غير أنّ ذلك يمرّ حتماً بمعالجة فجوات الاتصال والأجهزة والمهارات الرقمية وإتاحة المحتوى. فالمتعلّم العربي مطالب بأن يمسك بزمام التحوّلات الرقمية، لا أن يكون موضوعاً لها.
وبهذا الطرح، قدّم جدعون للملتقى نموذجاً تطبيقياً ينطلق من قراءة للواقع العربي ورؤية مستقبلية، ويضع بين أيدي صانعي السياسات التربوية أداةً للتخطيط للتغيير وضمان الاستمرارية والقدرة على التكيّف في عالم متغيّر باستمرار ومنافسة شرسة.


شارك هذا المقال :
WhatsApp
Facebook
X
LinkedIn

Your Next Chapter Starts Here

I'll help you unlock new opportunities and turn your passion into progress
آخر الإضافات

النشرة البريدية

بريدي من بيروت
اشترك لتصلك رسائل فكرية وأدبية من قلب المدينة.