استخدام اللغة العربية في الإذاعة: ملاحظات مهنية من خلف الميكروفون. بقلم الاستاذة فاطمة مقني

في الاستديو، حيث يُقاس كلُّ شيءٍ بالثواني، وتُوزَن الجملةُ بوقعها قبل معناها، تتكشّف اللغة العربيّة على حقيقتها. من خلف الميكروفون، لا تعود الكلمات زينةً بل مسؤولية، ولا يصبح الصوت أداةَ بثّ فقط، بل أداةَ بناءٍ للثقة والمعنى.

وبعد سنواتٍ في الإذاعة، تعلّمتُ أنّ العربيّة ليست مجرّد لغةِ تقديم، بل شريكٌ صامت في كلّ برنامج ناجح.في البدايات، كنتُ أظنّ أنّ الإلقاء الجيّد يكفي.

صوتٌ متماسك، مخارجُ حروفٍ سليمة، ونبرةٌ مدروسة. لكنّ التجربة علّمتني سريعًا أنّ الإذاعة لا ترحم اللغة المتكلّفة، ولا تصافح الجمل المصطنعة. المستمع، وإن لم يكن متخصّصًا، يمتلك حسًّا لغويًّا فطريًّا يميّز بين لغةٍ حيّة تُقال، ولغةٍ محفوظة تُتلى.

ومن هنا، يبدأ الامتحان الحقيقيّ للعربيّة في الإعلام السمعيّ.العربيّة الإذاعيّة ليست فصحى جامدة، ولا عاميّة سائبة. هي منطقةٌ وسطى دقيقة، تحتاج إلى وعيٍ لغويّ عالٍ، وإحساسٍ عميق بإيقاع الجملة.

الكلمة التي تبدو صحيحة على الورق قد تبدو ثقيلة على الأذن، والجملة الطويلة التي تُعجب الكاتب قد تُرهق المستمع. من خلف الميكروفون، تعلّمتُ أن أُصغي إلى اللغة كما أُصغي إلى المستمع، وأن أختار الكلمات التي تُقال بسهولة، دون أن أفقد احترام الفصحى أو أُفرّط بدقّتها.

أكثر ما يُساء فهمه في استخدام العربيّة إذاعيًّا هو الخلط بين البساطة والتسطيح. فتبسيط اللغة لا يعني إفراغها من معناها، بل تقريبها من السمع دون تشويهها. كثيرون يهربون إلى العاميّة بحجّة الوصول إلى الجمهور، لكنّ التجربة أثبتت لي أنّ العربيّة الواضحة، حين تُحسن صياغتها، تصل أبعد وأعمق. المستمع لا يرفض الفصحى؛ يرفض فقط الفصحى التي تُخاطبه من برجٍ عالٍ.

في البرامج المباشرة، تظهر حقيقة العلاقة مع اللغة. لا وقت للتفكير الطويل، ولا مجال للاختباء خلف نصّ مُحضّر بعناية.

هنا، إمّا أن تكون العربيّة جزءًا من تفكيرك، أو تصبح عبئًا عليك. وكم من مرّةٍ أنقذتني اللغة، حين منحتني مرونة التعبير في لحظة ارتباك، وكم من مرّةٍ خانني التكلّف، حين حاولتُ أن أبدو “أفصح” مما يجب.

ومن تجربتي، أؤمن أنّ المذيع العربي ليس ناقلَ صوتٍ فحسب، بل حارسُ ذائقة. كلّ جملة تُقال على الهواء تُسهم، ولو بشكل غير مباشر، في تشكيل علاقة المستمع بلغته.

حين نُخطئ بلا وعي، نُكرّس الاستسهال. وحين نُتقن بلا تعالٍ، نُعيد الاعتبار للغة بوصفها أداة تواصل يومي، لا امتحانًا لغويًّا.الإذاعة مدرسة قاسية لكن عادلة.

تعلّمك أن تحترم اللغة دون أن تتجمّد فيها، وأن تستخدمها دون أن تسيء إليها. تعلّمك أنّ العربيّة قادرة على أن تكون معاصرة، خفيفة، وحميمة، إذا خرجت من قوالبها المدرسيّة، ودخلت فضاء الحياة.

اليوم، وبعد سنواتٍ من العمل خلف الميكروفون، أستطيع أن أقول بثقة: العربيّة لا تخذل المذيع الذي يثق بها. هي لغة تعرف كيف تحمل الخبر، والقصّة، والمشاعر، وحتى الصمت بين الجمل. وكلّ ما تطلبه، أن نعاملها كشريكٍ في الخطاب، لا كحاجزٍ بيننا وبين المستمع.

من خلف الميكروفون، تعلّمتُ أنّ الدفاع عن اللغة العربيّة لا يكون بالشعارات، بل بالاستخدام اليوميّ المسؤول. وأنّ كلّ صوتٍ يخرج على الهواء إمّا أن يُقرّب العربيّة من الناس، أو يُبعدها عنهم. والخيار، في النهاية، يبدأ بكلمة.

شارك هذا المقال :
WhatsApp
Facebook
X
LinkedIn