التوقيت الصيفي في لبنان: بين الفوائد الاقتصادية والتحديات الصحية| كتبت عبير درويش

يُعدّ تغيير الساعة، سواء بتقديمها أو تأخيرها، من أكثر القرارات التي تثير الجدل سنوياً في لبنان والعالم. فعلى الرغم من بساطة الفكرة، أي تعديل الساعة بمقدار ساعة واحدة، إلا أن تأثيراتها تمتد إلى مجالات متعددة تشمل الاقتصاد، التعليم، الصحة، العمل، وحتى الحياة الاجتماعية.

يقوم التوقيت الصيفي على تقديم الساعة في الربيع وتأخيرها في الخريف بهدف الاستفادة من ضوء النهار لأطول فترة ممكنة، وقد بدأ تطبيقه عالمياً خلال الحرب العالمية الأولى لتوفير الطاقة قبل أن تعتمده دول عديدة لأسباب اقتصادية وتنظيمية. في لبنان، يتم هذا التغيير مرتين سنوياً منذ سنوات طويلة، حيث تُقدَّم الساعة في آذار وتُؤخَّر في تشرين الأول، إلا أن هذا الإجراء غالباً ما يتحول إلى مادة جدل تتجاوز البعد التقني لتأخذ طابعاً سياسياً واجتماعياً، خاصة عند تعديل مواعيده أو تأجيله، ما يسبب إرباكاً سريعاً في حياة الناس اليومية من مواعيد العمل إلى المدارس.

ينعكس تغيير الساعة بشكل مباشر على الأفراد والعائلات، إذ يؤدي إلى اضطراب في النوم نتيجة فقدان أو كسب ساعة، ويحتاج الجسم عدة أيام للتأقلم مع التوقيت الجديد، ما يسبب شعوراً بالتعب أو التوتر وضعف التركيز لدى البعض. ويزداد التأثير وضوحاً لدى طلاب المدارس والجامعات، حيث يشكل الاستيقاظ المبكر بعد تقديم الساعة عبئاً إضافياً، خصوصاً على الأطفال والمراهقين، وقد ينعكس ذلك على مستوى التركيز والأداء الدراسي نتيجة عدم التوافق بين الساعة البيولوجية والتوقيت الرسمي.

كما تتأثر بيئة العمل، إذ تعاني بعض القطاعات مثل الزراعة التي ترتبط بطبيعة الضوء لا بالساعة الرسمية، وقد تنخفض الإنتاجية مؤقتاً بسبب قلة النوم، مع تسجيل ارتفاع نسبي في إصابات العمل خلال الأيام الأولى نتيجة الإرهاق. كذلك يفرض التغيير تحديات على قطاع الطيران والنقل الذي يحتاج إلى إعادة تنظيم الجداول الدولية، ما قد يؤدي إلى ارتباك في الرحلات إذا لم يتم التنسيق بدقة، رغم أنه يسهم في تحقيق نوع من التوافق مع الدول التي تعتمد النظام نفسه.ورغم هذه التأثيرات، يُستند إلى بعض الفوائد الاقتصادية لتبرير التوقيت الصيفي، أبرزها تقليل الحاجة إلى الإضاءة مساءً وبالتالي توفير الطاقة، إضافة إلى تنشيط قطاعات مثل السياحة والمطاعم والترفيه نتيجة إطالة فترة النهار، ما يشجع الناس على الخروج والإنفاق.

إلا أن هذه الفوائد تبقى محل نقاش، إذ تشير بعض الدراسات إلى أن التوفير في الطاقة قد يكون محدوداً أو غير ملموس، وقد يقابله ارتفاع في استخدام أجهزة التكييف أو التدفئة. من الناحية الصحية، يبرز التوقيت الصيفي كعامل مقلق، إذ يرتبط باضطرابات النوم والأرق، وزيادة خطر النوبات القلبية والسكتات الدماغية في الأيام الأولى، إلى جانب تراجع التركيز والانتباه، مع تأثير أكبر على كبار السن والأطفال.

أما اجتماعياً، فيؤدي طول النهار إلى زيادة الأنشطة المسائية وقد يساهم في تحسين بعض المؤشرات مثل انخفاض الجرائم أو الحوادث وفق بعض الدراسات، لكنه في المقابل يسبب ارتباكاً في المواعيد والعادات اليومية.في ضوء هذه المعطيات، يبقى التقييم النهائي للتوقيت الصيفي موضع انقسام بين الخبراء؛ فالمؤيدون يرون فيه وسيلة لتوفير الطاقة ودعم الاقتصاد وتحسين الحياة الاجتماعية، بينما يعتبره المعارضون مصدراً لأضرار صحية واضحة وتأثيره الاقتصادي محدوداً، فضلاً عن كونه يربك الإنتاجية ونمط العمل.

وعليه، لا يمكن النظر إلى التوقيت الصيفي كإجراء تقني بسيط، بل كقرار يمس توازن المجتمع بأكمله، خاصة في بلد مثل لبنان حيث تتضاعف حساسية التغييرات الزمنية. ويبقى السؤال مطروحاً: هل الاستمرار في تغيير الساعة ضرورة حقيقية، أم أن اعتماد استقرار زمني دائم قد يكون أكثر راحة وانسجاماً مع إيقاع الحياة اليومية والإنتاجية العامة؟

شارك هذا المقال :
WhatsApp
Facebook
X
LinkedIn