تداولت وسائل التواصل الاجتماعي مؤخراً صورة تزعم أن لبنان يتصدّر الدول العربية بنسبة “عنوسة” تبلغ 85%، تليه تونس بنسبة 81%، وغيرها من الأرقام المرتفعة التي لاقت انتشاراً واسعاً وأثارت في المقابل تساؤلات جدية حول مصدرها ودقتها.
عند العودة إلى علم السكان، يتبيّن أن هذا الحقل لا يعتمد مصطلح “العنوسة” كمؤشر علمي مستقل، بل يستند إلى أدوات قياس واضحة ومحددة، من بينها متوسط سن الزواج الأول، أي العمر الوسطي عند أول زواج للفرد، وهو مؤشر يختلف من بلد إلى آخر ويعكس تحولات اجتماعية واقتصادية متراكمة.
كما يعتمد الباحثون على نسب غير المتزوجين ضمن فئات عمرية محددة، كالفئة بين 30 و34 سنة لدى الذكور أو الإناث، وهي نسب تساعد على فهم الاتجاهات الديموغرافية لكنها لا تمثل عموم السكان ولا يمكن تعميمها خارج إطارها العمري الدقيق.
كذلك يُستخدم معدل الزواج السنوي، أي عدد الزيجات لكل ألف نسمة في السنة، لفهم دينامية الزواج داخل المجتمع.وعند مراجعة البيانات المنشورة في تقارير إحصائية صادرة عن جهات موثوقة كالأمم المتحدة أو البنك الدولي أو إدارات الإحصاء الوطنية، لا نجد ما يدعم الأرقام المتداولة.
ففي لبنان، يبلغ متوسط سن الزواج الأول للنساء أوائل الثلاثينات، إلا أن نسبة غير المتزوجات ضمن الفئة العمرية 30–34 سنة تبقى أدنى بكثير من الرقم المتداول. وفي تونس، ورغم الارتفاع التدريجي في متوسط سن الزواج خلال العقد الأخير، فإن النسب الفعلية لغير المتزوجات ضمن الفئات المقاسة تبقى ضمن نطاقات إحصائية معقولة ولا تقترب من الأرقام المتداولة.
أما في الإمارات والسعودية، فتؤثر عوامل الهجرة وسوق العمل في التركيبة السكانية، لا سيما بين غير المواطنين، غير أن ذلك لا يبرر أو يؤكد وجود نسب رسمية تقارب 75% أو 30% كما ورد في الصورة المتداولة. ومن المعروف أن البيانات السكانية الرسمية تُنشر دورياً عبر تقارير صادرة عن الجهات الإحصائية الوطنية أو منظمات دولية معتمدة، ما يتيح التحقق من منهجيتها وسنواتها المرجعية.
ظهور مثل هذه الأرقام يعود غالباً إلى تبسيط مخلّ للمفاهيم، إذ يجري استخدام مصطلحات غير دقيقة وتعميمها على مجموع السكان من دون تمييز بين الفئات العمرية والسياقات الاجتماعية المختلفة. كما أن الصورة المتداولة لا تشير إلى السنة المرجعية أو الفئة العمرية أو الجهة التي أعدّت الدراسة، وهي عناصر أساسية لأي قراءة علمية.
في غياب هذه المعطيات، يصبح التحقق من صحة الأرقام أمراً متعذراً. أحياناً يُعاد نشر بيانات غير دقيقة بدافع الإثارة أو جذب الانتباه، من دون الاستناد إلى مصدر معتمد أو منهجية واضحة.في المحصلة، تبقى مسألة تأخر سن الزواج أو تغير أنماطه قضية اجتماعية مهمة تستحق نقاشاً رصيناً، إلا أن تناولها يتطلب الاعتماد على مؤشرات ديموغرافية معترف بها وإحصاءات رسمية قابلة للتحقق.
أما الأرقام المتداولة في الصورة المشار إليها، فتعاني من غياب الشفافية والمنهجية، ما يجعلها مضللة ولا يمكن اعتمادها كمرجع علمي موثوق.




