جيل الشاشات وأزمة القراءة: حين يتراجع الكتاب أمام الهاتف الذكي.كتبت عبير درويش

لم تعد أزمة القراءة لدى الأطفال واليافعين مجرد تراجع في عدد الكتب التي يقرأونها، بل أصبحت تمسّ طبيعة القراءة نفسها. فقد نشأ جيل جديد في بيئة رقمية سريعة، تحيط به الهواتف الذكية والإشعارات ومقاطع الفيديو والمحتوى القصير، الأمر الذي غيّر تدريجيًا أنماط الانتباه والتعامل مع النصوص.

وتشير نتائج التقييمات الدولية الحديثة إلى تراجع مقلق في أداء الطلبة في القراءة، بالتزامن مع ارتفاع الوقت الذي يقضونه أمام الشاشات وتراجع القراءة من أجل المتعة. ولا يعني ذلك أن التكنولوجيا هي السبب الوحيد في تراجع المستوى التعليمي، لكن الإفراط في استخدامها، ولا سيما للترفيه، يرتبط بتراجع التركيز وصعوبة الاستمرار في قراءة النصوص الطويلة والمعقدة.

من القراءة العميقة إلى القراءة السريعة

القراءة الحقيقية ليست مجرد التعرف إلى الكلمات واستخراج معلومة سريعة، وإنما هي عملية معرفية تتطلب التركيز، وربط الأفكار، والاستنتاج، والتحليل، والاحتفاظ بالمعلومات. غير أن البيئة الرقمية تدفع كثيرًا من الشباب إلى التنقل السريع بين النصوص والمقاطع والتنبيهات، مما قد يعزز نمطًا من القراءة السطحية والمتقطعة.

وهنا تكمن المشكلة التربوية: قد لا يفقد الطالب القدرة على القراءة، لكنه قد يفقد تدريجيًا الصبر الذهني اللازم للقراءة العميقة.

الهاتف والذكاء الاصطناعي

يزداد التحدي مع انتشار أدوات الذكاء الاصطناعي. فهذه الأدوات يمكن أن تكون وسيلة تعليمية فعالة إذا استُخدمت للشرح والمناقشة وتوسيع المعرفة، لكنها تصبح ضارة تربويًا عندما تحل محل القراءة والكتابة والتفكير.

فالطالب الذي يطلب تلخيص النص قبل قراءته أو كتابة المقال بدلًا منه يوفر الوقت، لكنه قد يخسر جزءًا من التدريب العقلي الذي تصنعه القراءة والكتابة.

ما العمل تربويًا؟

لا يكمن الحل في إعلان الحرب على التكنولوجيا، فهي أصبحت جزءًا لا يتجزأ من التعليم والحياة المعاصرة، وإنما في تحقيق التوازن بين الثقافة الرقمية وثقافة الكتاب. وتحتاج المدرسة والأسرة إلى إعادة الاعتبار للقراءة الحرة، وتخصيص وقت يومي للقراءة الهادئة، وتشجيع الطلاب على اختيار الكتب التي تثير اهتمامهم، وتعليمهم مهارات القراءة التحليلية والنقدية، مع وضع حدود واضحة للاستخدام الترفيهي للشاشات.

إن الهدف ليس أن نعيد أبناءنا إلى عالم بلا هواتف، بل أن نساعدهم على امتلاك القدرة على استخدام التكنولوجيا دون أن تفقدهم القدرة على التركيز والتأمل والقراءة العميقة.

فالمشكلة الحقيقية ليست أن جيل الشباب يقرأ أقل فحسب، بل أن عالم الشاشات قد يدفعه إلى القراءة بطريقة أسرع وأكثر تشتتًا.

ولذلك تبقى القراءة العميقة واحدة من أهم المهارات التي ينبغي أن تحميها التربية في عصر السرعة الرقمية؛ لأنها لا تبني المعرفة فقط، بل تبني التركيز والتفكير المستقل والقدرة على الفهم والنقد.

شارك هذا المقال :
WhatsApp
Facebook
X
LinkedIn