حين يخاف البصر من النور، لأنّه اعتاد العتمة. بقلم الشيخ وسام سليقا

ما أروعَ الفكرة حين تولد، وما أتعسَها حين تُعرض على مجتمعٍ يملك ألفَ لسانٍ لمناقشتها، ولا يملك عقلًا واحدًا لمنحها فرصة!تأتي الفكرة الجديدة، فيسأل البعض: مَن قالها؟ بدلًا من أن يسألوا: ماذا قالت؟ ويبحثون عن عيوب صاحبها، لأنّهم يعجزون عن مواجهة جوهرها؛ وكأنّ الحقيقة لا قيمة لها ما لم تحمل توقيعًا يُرضي غرورهم!

وكما يُقال: الحكمة ضالّة المؤمن، أنّى وجدها فهو أحقّ الناس بها. لكنّ بعض الناس يريدون الحكمة أن تأتيهم على صورتهم، وأن تنطق بلسانهم، وأن تستأذنهم قبل أن تدخل عقولهم!

يا لسخرية المشهد!

نطالب بالتغيير، ثم نحارب مَن يقترحه؛ ونحلم بالإبداع، ثم نكافئ مَن يُتقن التقليد؛ ونشتكي من الظلام، ثم نتّهم كلّ مَن يحمل مصباحًا بأنّه يثير الفتنة!

ليس كلّ ما يلمع ذهبًا، نعم؛ ولكن ليس كلّ ما نجهله وهمًا، ولا كلّ ما نرفضه خطأً، ولا كلّ ما اعتدنا عليه صوابًا!

فالعاقل لا يشتري الفكرة لمجرّد بريقها، ولا يرفضها لمجرّد غرابتها؛ بل يزنها بميزان العقل، ويختبرها بميزان التجربة، ويحكم عليها بميزان الخير.

إنّ أخطر ما يصيب المجتمع ليس قلّة الأفكار، بل كثرة الذين يدفنونها قبل أن يفهموها، ثم يقفون على قبورها متسائلين: لماذا لا نتقدّم؟

وقد قيل: مَن لا يتعلّم من أخطائه، يكرّرها؛ فكيف بمجتمعٍ يرفض حتى أن يختبر أفكاره، ثم ينتظر من المستقبل أن يمنحه نتائج مختلفة؟فلنمنح العقل حريّته، والحوار مكانته، والفكرة فرصتها؛ فـلكلّ مقامٍ مقال، ولكلّ زمنٍ أسئلته، ولكلّ نهضةٍ عقولٌ تجرؤ على مراجعة المألوف دون أن تتنكّر للأصيل.

فقد تكون الفكرة التي نسخر منها اليوم هي ذاتها التي نفاخر بها غدًا، وقد يكون صاحب الرأي الذي نختلف معه اليوم هو مَن يفتح أمامنا بابًا لم نكن نراه بالأمس.

فالتاريخ لا يسأل كم شخصًا ضحك من الفكرة عند ولادتها، بل يسأل: مَن امتلك الشجاعة ليفهمها، ومَن امتلك الحكمة ليحوّلها إلى حياة؟وتذكّروا دائمًا:مَن يخشى الفكرة، يخشى السؤال؛ ومَن يخشى السؤال، يضيّق أفق العقل؛ ومَن يضيّق أفق العقل، يحكم على مجتمعه بالبقاء في المكان نفسه، ولو ظنّ أنّه يتقدّم!

فكرة: لأنّ نهضة المجتمعات تبدأ بعقلٍ يسأل، وقلبٍ يتّسع، وإرادةٍ تعمل.

شارك هذا المقال :
WhatsApp
Facebook
X
LinkedIn

Your Next Chapter Starts Here

I'll help you unlock new opportunities and turn your passion into progress
آخر الإضافات

النشرة البريدية

بريدي من بيروت
اشترك لتصلك رسائل فكرية وأدبية من قلب المدينة.