نُشر هذا المقال كنصّ رأي بقلم ناجي علي أمهز في فضاء إعلامي مفتوح، حيث يأخذ شكل المقال التحليلي–التعبوي الذي يخاطب الجمهور مباشرة بلغة حادّة وصادمة، مستندًا إلى نقد ثقافي وإعلامي أكثر منه نقاشًا خبريًا أو توثيقيًا.
ينطلق المقال من سؤال يبدو ظاهريًا بريئًا ومتكررًا: «ما الحل؟»، لكنه في جوهره، كما يقدّمه الكاتب، ليس سؤال بحث بقدر ما هو آلية إنكار جماعي. هنا يضع النص الإعلام في موقع المسؤولية الأولى عن تشكيل هذا الإنكار، عبر تحويل السؤال من مدخل للفهم إلى أداة للهروب من المعرفة.
الإعلام، وفق منطق المقال، لا يساعد الجمهور على رؤية الحل، بل يدرّبه على تجاهله، ويعيد إنتاج الضياع كأنه قدر لا يمكن كسره.
يقدّم الكاتب تصورًا شديد القسوة لدور الإعلام في الوعي الجمعي، حيث يتحول من وسيط معرفة إلى «مصنع لإعادة تدوير الجهل». هذا التعبير ليس مجازيًا فحسب، بل يحمل اتهامًا بنيويًا للإعلام الذي يفضّل التبسيط المُخلّ، والتهريج، وتلميع الوجوه الفارغة، بدل بناء خطاب نقدي يزعج المتلقي ويدفعه إلى مراجعة قناعاته. في هذا السياق، لا يظهر الإعلام كمرآة للواقع، بل كأداة لإعادة تشكيله بما يخدم الوهم، ويُقصي كل من يحاول كسر السردية السائدة أو تقديم معرفة غير مرغوب فيها.
يركّز المقال على آلية إعلامية شائعة: مكافأة من «يقول ما يُحبّ الناس سماعه»، ومعاقبة من يصرّ على قول ما يجب أن يُقال. هنا تتجلى أزمة دور الإعلام في الوعي، إذ يصبح معيار القبول ليس الصدق أو العمق، بل القدرة على الانسجام مع الذوق العام المصنوع إعلاميًا. المعرفة تتحول إلى عبء، والخبرة إلى تهمة، والاختلاف إلى وقاحة.
بهذا المعنى، الإعلام لا يكتفي بتضليل الجمهور، بل يدرّبه على مهاجمة كل صوت يحاول الارتقاء بمستوى الوعي.
كما يربط النص بين الإعلام والاقتصاد الرمزي للسلطة والمال، حيث تُقرأ مظاهر الثراء والنجاح الإعلامي كدليل على المصداقية، لا كنتاج محتمل للتواطؤ أو التزييف. الإعلام، في هذا الإطار، يعيد تعريف «النخبة» على أساس الاستعراض لا المعرفة، ويخلق قدوات زائفة تُقاس قيمتها بعدد المتابعين لا بعمق الفكرة. هذا التحول يضرب جوهر دور الإعلام في الوعي، لأنه يستبدل التفكير النقدي بثقافة الاستهلاك الذهني.
ويذهب المقال أبعد من ذلك حين يحمّل الجمهور نفسه جزءًا من المسؤولية، لا بوصفه ضحية فقط، بل شريكًا في إعادة إنتاج هذا الإعلام. فالمتلقي، كما يصوّره النص، يبحث عن «تجميل الجهل» لا عن المعرفة، ويطلب من الإعلام أن يريحه لا أن يوقظه. هنا تتبدّى العلاقة الدائرية الخطيرة: إعلام سطحي يصنع جمهورًا سطحيًا، وجمهور سطحي يعاقب أي إعلام يحاول كسر هذه الدائرة.
في الخلاصة، يقدّم المقال قراءة قاتمة ولكن متماسكة لأزمة دور الإعلام في الوعي، معتبرًا أن المشكلة ليست في غياب الحلول، بل في غياب الاستعداد الذهني لرؤيتها. الإعلام، حين يتخلى عن وظيفته التنويرية، لا يساهم فقط في تضليل اللحظة الراهنة، بل في تدمير القدرة المستقبلية على الفهم والتعلّم وتجنّب التكرار. ومن هنا، تصبح الأزمة أزمة عقل ومعرفة قبل أي شيء آخر، ويغدو إصلاح الإعلام شرطًا مسبقًا لأي نهضة وعي حقيقية.



