سرقة الشيفرات البرمجية في عصر الذكاء الاصطناعي ومسؤولية البرلمان اللبناني. بقلم المهندس علي احمد

في الماضي، كانت سرقة الشيفرات البرمجية عملية واضحة ومحدّدة المعالم، وكان إثباتها يتمّ بسهولة عبر ملفات منسوخة أو وصول غير شرعي إلى بيانات الشركة. لكن مع تسارع الذكاء الاصطناعي ودخوله في تفاصيل العمل البرمجي، أصبحت مسألة سرقة الشيفرات البرمجية أكثر تعقيدًا، وبدأ الخط الفاصل بين المعرفة المكتسبة والملكية الفكرية يختفي في كثير من الحالات. فقد بات المطور قادرًا على إعادة إنتاج المنطق البرمجي نفسه باستخدام أدوات ذكية دون نقل سطر واحد من الشيفرة الأصلية، ما يخلق إشكاليات قانونية غير مسبوقة.

في السابق كان الدليل المادي هو الأساس، لكن اليوم أصبح بالإمكان استنساخ الأفكار نفسها بدل السطور البرمجية، ما يجعل إثبات السرقة تحديًا مضاعفًا ويطرح السؤال الجوهري: هل تعتبر إعادة بناء الشيفرة من الذاكرة أو باستخدام الذكاء الاصطناعي سرقة أم استفادة من الخبرة؟ المشكلة أعمق من مجرد تشابه في النتائج، فالأمر يرتبط بغياب تعريف قانوني واضح لهذه الحالة. وعندما تُستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي قد ينتقل جزء من البيانات الحساسة إلى خوادم خارجية بدون قصد، مما يجعل سرقة الشيفرات البرمجية محتملة حتى دون وجود نية مباشرة.

تشير المعطيات العالمية قبل عام 2020 إلى أن 10% إلى 15% من حوادث الأمن السيبراني الداخلي كانت تتعلق بتسريب الأكواد، في حين ارتفعت هذه النسبة عالميًا بين 25% و40% بعد انتشار أدوات الذكاء الاصطناعي خلال السنوات الأخيرة. وفي لبنان يُتوقّع أن تتضاعف المخاطر مع غياب الأطر القانونية الواضحة، إذ بات من الصعب تحديد الجهة التي تتحمّل المسؤولية عند وقوع انتهاك للملكية الفكرية، خصوصًا حين لا تكون هناك نسخ مسروقة بل نتائج رقمية ناتجة عن توليد جديد للشيفرة.

لا توجد نسبة مئوية ثابتة يمكن اعتمادها للحكم على سرقة الشيفرات البرمجية، لكن الخبراء يعتبرون أن التشابه الذي يتجاوز 70% في الهيكل والمنطق يشكل مؤشرًا قويًا على الاستنساخ غير المشروع. وفي غياب تشريعات حديثة، يبقى القضاء أمام حالات ملتبسة يصعب البتّ فيها، لأن القوانين الحالية مثل قانون حماية الملكية الأدبية والفكرية رقم 75/1999 لم تُصمم للتعامل مع الأكواد والذكاء الاصطناعي.

أمام هذا الواقع تبدو الحاجة ملحّة لتدخل تشريعي واضح. فسرقة الشيفرات البرمجية لم تعد ملفًا تقنيًا، بل تحوّلت إلى قضية سيادة رقمية وعلى البرلمان اللبناني أن ينظم حماية الملكية الرقمية ويواكب التطور العالمي. ويتطلب ذلك تحديث القوانين، تنظيم استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات، وإنشاء إطار يحفظ حقوق الشركات والمبرمجين معًا ويضع المعايير التي تفصل بين المعرفة المكتسبة والملكية المحمية.

إن لبنان يمتلك طاقات رقمية كبيرة، لكن غياب التشريع يجعلها مكشوفة أو معرضة للاتهام. وبين الأمس واليوم تغيّر العالم الرقمي، بينما بقي القانون في مكانه. والتأخر في العلاج قد يضع لبنان خارج المنظومة التقنية العالمية في لحظة تتسارع فيها الانقلابات الرقمية.

شارك هذا المقال :
WhatsApp
Facebook
X
LinkedIn