في اليوم العالمي للمعلم في لبنان: المربّي يواجه الاغتراب داخل مهنته. كتب فاروق غانم خدّاج

يأتي اليومُ العالميّ للمعلّم هذا العام، في الخامسِ من تشرينَ الأوّل، كنافذةٍ رمزيّةٍ تُذكّرُ العالمَ بمكانةِ من يحملُ أسمى رسالةٍ إنسانيّة: بناءَ العقولِ وتربيةَ الأجيال. غير أنّ هذه الرمزيّة، في لبنان تحديدًا، تصطدمُ بواقعٍ موجعٍ يتنافى مع الشعاراتِ المكرّرةِ عن “قدسيّةِ المهنة” و”دورِ المعلّم في بناءِ الوطن”. فالمعلّمُ اللبنانيّ، الذي يُفترضُ أن يكونَ في قلبِ العمليّةِ التربويّة، صارَ على هامشِها، يرزحُ تحت أعباءٍ اقتصاديّةٍ ونفسيّةٍ لا تُحتمل، فيما تتعاظمُ أرباحُ المؤسّساتِ التعليميّة التي يُفترضُ بها أن تحميَه وتحتضنَه.

اغتراب داخل المهنة

منذُ سنوات، يعيشُ المعلّمُ في لبنان حالةً من الاغترابِ داخلَ مهنته. لم تعُد المناسباتُ التربويّةُ لحظاتِ فخرٍ وامتنان، بل تحوّلت إلى محطاتٍ للتذكيرِ بالخذلانِ المزمن. وبينما ترتفعُ أقساطُ المدارسِ الخاصّةِ عامًا بعد عام، وتتضاعفُ كلفةُ النقلِ والكتبِ والقرطاسيّة، يبقى راتبُ المعلّمِ في مكانِه، أو يرتفعُ بنِسَبٍ رمزيّةٍ لا تُواكبُ التضخّمَ الجنونيّ. والمفارقةُ أنّ الزيادةَ في الأقساطِ لا تُترجمُ دعمًا للطاقمِ التعليميّ، بل تتحوّلُ إلى مشاريعَ عمرانيّةٍ ومسارحَ جديدةٍ تُضيفُ إلى رأسِ المالِ لا إلى الكرامة.

الخطاب المنفصل عن الجوهر

المؤسف أنّ الخطاب التربوي في لبنان بات منفصلاً عن جوهر التربية. فبدل أن يكون المعلّم شريكًا في القرار وفي رسم السياسات التعليمية، أُقصي إلى موقع المتلقي. المؤسسات الخاصة، التي تُقدَّم نفسها على أنها “رسالية” أو “مؤمنة بالعلم”، تمارس عليه ضغطًا مستمرًا باسم الانضباط والالتزام، لكنها تتنكر لحقّه في حياةٍ كريمة. أما المدارس الرسمية، فرغم تدهور أوضاعها، لا تزال تضمّ معلّمين مخلصين يؤدّون رسالتهم في ظروف تكاد تكون إعجازية، ومع ذلك لا يجدون في الدولة إلا التجاهل أو الوعود المؤجّلة.

التعليم سوق استثماري

تحوّلَ التعليمُ في لبنان إلى سوقٍ استثماريٍّ ضخم، حيثُ تتقدّمُ الأرقامُ على القِيَم، والمباني الفخمةُ على الكفاءات، والرِّبحُ على الرِّسالة. في مثلِ هذا المناخ، يفقدُ المعلّمُ شعورَه بالانتماءِ، وتتراجعُ هيبتُه أمام إداراتٍ تراهُ مجرّدَ موظّفٍ لا صاحبَ رسالة. وهذا ما يُفسّرُ حالةَ الإحباطِ التي يعيشُها الكثيرون منهم، إذ يجدون أنفسَهم أمامَ معادلةٍ قاسية: إمّا الصمتُ والقبولُ بالواقع، أو المغادرةُ نحوَ مِهنٍ أخرى لا تمتُّ إلى التعليمِ بصِلة.

الأزمة المعنوية والاجتماعية

المشكلةُ أعمقُ من الجانبِ المادّيّ. فالمعلّمُ في لبنان يواجهُ أيضًا أزمةً معنويّةً تتعلّقُ بفقدانِ التقديرِ الاجتماعيّ. المجتمعُ الذي طالما احترمَ “الأستاذ”، صارَ اليوم ينظرُ إليه بعينِ الشفقةِ أو الاستغراب، بعدما تحوّلَ راتبُه إلى ما دونَ الحدِّ الأدنى للعيشِ الكريم. حتّى الطلّابُ، الذين يُفترضُ أن يتعلّموا احترامَ مربيهم، يشهدون تناقضًا بين ما يُقالُ في الصفوفِ عن القِيَم، وما يرونهُ من تهميشٍ لمن يعلّمُهم تلك القِيَم.

استثمار في المظاهر لا في الجوهر

بعضُ إداراتِ المدارسِ الخاصّةِ تستثمرُ في المظاهرِ لتبريرِ الأقساطِ العالية؛ فتُنشئُ المسارحَ وتحدّثُ المختبراتِ وتزيّنُ الواجهات، من دون أن تسألَ نفسَها: من الذي يصنعُ جوهرَ المدرسة؟ من يمنحُ المبنى معنى؟ أليست تلك القلوبُ التي تنبضُ على المقاعدِ الخشبيّة، بين قلمٍ ودفترٍ وحلمٍ بسيطٍ بالاستمرار؟

دعوة لتصحيح المعادلة

لقد آنَ الأوانُ لإعادةِ تصحيحِ المعادلة. لا يمكنُ لأيِّ نظامٍ تربويٍّ أن ينهضَ إذا لم يكن المعلّمُ في مركزِه، ماديًّا ومعنويًّا. فالتعليمُ ليس سلعةً تُباعُ وتُشترى، بل هو فعلُ إنشاءٍ مستمرٍّ للإنسان. وإذا كانت المدرسةُ تُشيّدُ مبنىً جديدًا كلَّ عام، فعليها أن تبنيَ في المقابلِ ثقةَ معلّميها وحياتَهم. ولا معنى لاحتفالاتِ اليومِ العالميِّ للمعلّم إذا بقيت تُقامُ تحت لافتاتٍ برّاقةٍ تُخفي وراءَها واقعًا من الإهمالِ والتعب.

المعلّمُ اللبنانيّ لا يطلبُ المستحيل. هو لا يريدُ قصورًا ولا امتيازات، بل الحدَّ الأدنى من الكرامة: راتبٌ يوازي جهدَه، واحترامٌ لدورِه، ومشاركةٌ حقيقيّةٌ في صنعِ مستقبلِ التعليم. أمّا ما يُقدَّمُ له اليوم فهو احتفالاتٌ شكليّةٌ وهدايا رمزيّةٌ لا تمسُّ جوهرَ معاناتِه ولا تواسيه في غربتِه داخلَ وطنٍ لم يَعُد يُقدّرُ أبناءَه المخلصين.

في هذا اليومِ العالميّ، لا تكفي الكلماتُ الجميلةُ ولا الرسائلُ المكرّرة. ما ينقصُ المعلّمَ في لبنان هو فعلُ إنصافٍ حقيقيّ، يبدأُ بإعادةِ النظرِ في هيكليّةِ التعليمِ الخاصِّ والرّسميّ، ويصلُ إلى سياساتٍ تضعُ المعلّمَ في موقعِه الطبيعيّ كركيزةٍ لكلِّ نهضة. فحين تُكرّمُ الدولُ معلّميها، تبني مستقبلَها، أمّا حين تهضمُ حقوقَهم، فإنّها تُسقِطُ نفسَها في ظلامِ الجهلِ والتفكّك.

يبقى المعلّمُ، رغم كلِّ شيء، رمزًا للصبرِ والإيمانِ بالرّسالة. وربّما هذا وحدَه ما يُبقي جذوةَ الأملِ مضيئةً في عتمةِ الواقعِ اللبنانيّ، حيثُ يُكمِلُ المعلّمُ دربَه بين الألمِ والواجب، متمسّكًا برسالةٍ كانت يومًا أعظمَ مهنةٍ في التاريخ، ولا تزالُ كذلك، حتى وإن أنكرَها زمانُها.

شارك هذا المقال :
WhatsApp
Facebook
X
LinkedIn