تشير الدراسات المستقبلية إلى أن عدد الطلبة في العلوم الإنسانية والاجتماعية والآداب سيشهد ( على المستوى العالمي و الوطني) استقرارًا على المدى القصير، يليه انخفاض ديموغرافي على المدى الطويل الى حد قد تصبح فيه العديد من المؤسسات الجامعية قفارا و ذلك نتيجة لمتغيرات عدة لعل من أهمها :- تنامي العلاقة الوظيفية للتلاميذ بالمعارف المدرسية امام هوس الاولياء بنجاحات وهمية “الان وهنا” وسريعة في سوق الشغل.
وفي الحقيقة تناولنا في بحوثنا صلب مخبر ESCOLمنذ 2002 مع الأستاذ القدير B. Charlot إشكالية تطور الصلة الفردية و الاجتماعية بالمعرفة في اتجاه الصلة الوظيفية Rapport instrumental aux savoirs . ذلك ما بيناه أيضا في دراستنا المنشورة ب ٌrevue de psychologie scolaire et d’orientation اثناء تناولنا لمسالة العلاقة الهشة بالمعارف الاجتماعية و التاريخية لاغلب التلاميذ مقارنة بالاستثمار العائلي و الاجتماعي في المعارف ذات المردودية المدرسية : العلوم الطبية و الهندسية و التقنية و الحاسوبية.
يتجه مستقبل العلوم الإنسانية والاجتماعية كما سائر العلوم والمعارف نحو التهجين hybridation مع الرقمنة ومطلب الاحترافية professionnalité. تتطور العلوم الإنسانية والاجتماعية الجديدة نحو ابستمولوجيا جديدة مختلفة عن القضايا التي تطرحها ابستمولوجيا النشأة و التأسيس. اذ يحب الاعتراف بأن العلوم الإنسانية والاجتماعية طالما تم تهميشها واعتبارها ”علومًا لينة molles من قبل العلوم الطبيعية لأنها تعاني من خلافات منهجية وشكوك حول النظريات والمنهجيات العلمية والقدرات التي تستوجبها .لا داعي اليوم – على المستوى الشرعية العلمية – لأن تعاني هاته المعارف من عقدة النقص والشعور بالذنب حسب رأيي.
لذلك يمثل التوجه نحو الرقمنة مؤشرا على تموضع ابستمولوجي جديد لمستقبل العلوم الإنسانية و الاجتماعية في الجامعة والمجتمع سينزلها مستقبلا بمنزلة العلوم الصحيحة. تغيرت مشهدية البحث والتعليم بشكل جذري عن طريق الأدوات التكنولوجية. يستخدم الباحثون الآن البيانات الضخمة والذكاء الاصطناعي لتحليل السلوكيات الاجتماعية و النفسية و المجموعات الضخمة.
تدفع هذه التوجهات الجديدة المشتغلين في حقل العلوم الإنسانية إلى طرح الإشكاليات التالية: كيف تؤدي الأساليب الجديدة المستوردة من العلوم الدقيقة (المعالجة الإحصائية، تحليل الرسوم البيانية) إلى تطور إبستمولوجيا العلوم الإنسانية والاجتماعية، ؟ كيف يمكن تنظيم الترابط بين التخصصات والمنهجيات على أفضل وجه؟. ما هي الآن الطرق الجديدة لنشر المعرفة ونقلها؟ ما هي الممارسات الجديدة للقراءة والكتابة والنشر والتعلم في السياق الرقمي؟ إلى أي مدى يطرح الرقمي تساؤلات حول الطريقة ”التقليدية“ لعمل العلوم الإنسانية والاجتماعية؟ ما هي المنهجيات الجديدة التي يجب على الباحث اتباعها، وما هي القواعد الأخلاقية والمهنية الجديدة؟ ما هي البنى التحتية و”الممارسات الجيدة“ التي يجب تطبيقها، لا سيما فيما يتعلق بمسألة ”انفتاح“ البيانات (open data)؟ يحول هذه الأسئلة العلوم الإنسانية والاجتماعية إلى مجال يصبح فيه إتقان معالجة وتحليل البيانات مهارة أساسية.
إضافة لذلك تتطور العلوم الإنسانية نحو مزيدا من التداخل بين التخصصات كمعيار جديد للتفكير. تتلاشى الحدود بين التخصصات من أجل دراسة قضايا مركبة متعلقة بالوعي والفرد والدولة و المناخ، و الصحة، و الاخلاق ….لذلك تتجه العلوم الإنسانية نحو ما يمكن تسميته البناء المشترك: نشهد تزايدًا في المشاريع التي يتعاون فيها علماء الاجتماع والقانون مع المهندسين أو علماء الأحياء لتقييم الأثر الاجتماعي للابتكارات.
يستدعي ذلك و لا ريب مسارات مرنة بين التخصصات و تطوير المهارات الشاملة: مثل التفكير النقدي والدقة التحليلية. تتطور العلوم الإنسانية كما سائر العلوم والمعارف الأخرى ضمن سياق ذكائي يتميز بتغير البنى الذهنية للتعلم و المعرفة و تطور اشكال القراءة السريعة : قراءة الواب القراءة الرقمية و تطور الممارسات الجديدة للقراءة والكتابة والنشر والتعلم في السياق الرقمي.
يطرح الذكاء الرقمي اليومي تساؤلات حول الطريقة ”التقليدية“ لعمل العلوم الإنسانية والاجتماعية، و اجمالا ان التفكير في مستقبل العلوم الإنسانية و الاجتماعية في تونس زمن الرقمنة يدعونا الى التفكير في هذه المسالة ضمن :
– مقاربة ابستمولوجية جديدة لهذه العلوم
– بنى ذهنية جديدة لتعلمها و تمثلها
– التطور المستقبلي للمهن و الكفايات
– هندسة جديدة للمحتويات و البرامج والتعلمات تأخذ بعين الاعتبار هذه التحولات العميقة
– تصور جديد لعملية التوجيه المدرسي و الجامعي و للباكالوريا يقطع مع ديكتاتورية بعض المواد و فكرة التخصص المبكر في مرحلة التعليم الثانوي ويِؤدي الى تغيير ملامح الطلبة الملتحقين بالعلوم الاجتماعية والعلوم الإنسانية



