
الصورة التي التُقطت في إحدى قاعات الجامعة اللبنانية قد تبدو للوهلة الأولى مجرد مشهد اعتيادي لمجموعة طلاب مزدحمين حول أستاذهم. غير أنّ التمعّن فيها يكشف أبعاداً أعمق بكثير، فهي تختصر حكاية التعليم العالي في لبنان، وتُجسّد بوضوح نتائج الأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي عصفت بالبلاد في السنوات الأخيرة.
في المشهد، مقاعد ممتلئة بالكامل، طلاب يجلسون على الأرض، آخرون متكئون على الجدران أو واقفون في طرف القاعة فقط كي يتمكّنوا من متابعة المحاضرة.
هذا ليس ازدحاماً طارئاً، هو انعكاس مباشر لانتقال آلاف الطلاب نحو الجامعة اللبنانية بعد أن باتت الجامعات الخاصة، بمصاريفها الباهظة رغم اختلاف مستوياتها، خارج متناول غالبية العائلات.
ومع انهيار القدرة الشرائية وارتفاع الأقساط بالدولار، لم يعد أمام هؤلاء خيار سوى اللجوء إلى المؤسسة الرسمية الوحيدة التي تتيح لهم متابعة دراستهم مجاناً أو بكلفة رمزية.
لكن المشهد لا يقف عند حدود الاكتظاظ. هو يعكس تناقضاً صارخاً بين إصرار الطلاب على التشبث بحقهم في التعليم مهما كانت الظروف، وبين عجز الدولة عن تأمين أبسط مقومات هذا الحق. فالمقاعد غير كافية، القاعات غير مجهّزة لاستيعاب هذا العدد، البنية التحتية مهترئة، والدعم المادي والإداري للجامعة لا يوازي بأي شكل حجم الضغط الواقع عليها.
هذه ليست أزمة مكان، انها أزمة بنيوية تهدد مستوى التعليم نفسه، إذ كيف يمكن للطالب أن يتعلّم ويبدع وهو مضطر للجلوس على الأرض أو الوقوف ساعات لمتابعة محاضرة؟في المقابل، تحمل الصورة بعداً إيجابياً لا يمكن إنكاره. فهي تعكس عطشاً حقيقياً للعلم، وإرادة صلبة لدى الشباب لمواصلة الدراسة على الرغم من الصعوبات. هؤلاء الطلاب، وجلّهم أبناء الطبقات الوسطى والفقيرة، يثبتون أنهم مستعدون لتحمّل المشقة من أجل مستقبل أفضل. هذا العناد في طلب العلم يذكّرنا بدور الجامعة اللبنانية التاريخي كمصعد اجتماعي، وكمؤسسة ضامنة للعدالة التعليمية في بلد يتّسع فيه الفارق الطبقي يوماً بعد يوم.
لكن السؤال الكبير يظل مطروحاً: إلى أي مدى تستطيع الجامعة اللبنانية الاستمرار في أداء هذا الدور إذا لم تُرفد بالدعم المناسب؟ هل يكفي أن تُترك وحيدة في مواجهة الانهيار الشامل بينما يُلقى على عاتقها استقبال عشرات الآلاف من الطلاب الإضافيين؟ ألا يتحوّل عندها “الحق في التعليم” إلى مجرد حق بالجلوس في قاعة مكتظة بلا مقومات علمية حقيقية؟
الصورة إذن ليست لقطة عابرة من عام دراسي مزدحم، هي شهادة حيّة على التحولات العميقة التي يشهدها لبنان. إنها تفضح اضطرابات النظام التعليمي حين يتخلّى عنه أصحابه، وتكشف في الوقت نفسه قوة الإرادة الشعبية التي تجعل من الجامعة اللبنانية ملجأ أخيراً للطبقات المهمشة.
إنها مرآة لبلد يعيش انقساماً بين طموحات شبابه ومحدودية إمكاناته، بين التمسك بالعلم كطوق نجاة وبين غياب السياسات التي تترجم هذا التمسك إلى مستقبل أفضل.
في النهاية، يبقى السؤال مفتوحاً: هل نقرأ في هذا المشهد انتصاراً لإرادة الطلاب الذين لم يستسلموا رغم الظروف، أم مؤشراً خطيراً على انهيار المعايير الدنيا للتعليم الجامعي؟ وهل نكتفي بالتغني بعزيمة الشباب، أم نعتبرها دعوة عاجلة لإعادة النظر جذرياً في موقع الجامعة اللبنانية وتمويلها ودورها، قبل أن يتحول الاكتظاظ من علامة على الأمل إلى عنوان لفقدان الجودة والعدالة معاً؟



