من الاقتصاد الرقمي إلى ثقافة البساطة: لماذا يعيد جيل Z اكتشاف الحياة الهادئة؟ كتبت عبير درويش

التمرد الهادئ: كيف انقلب جيل Z على ثقافة الإنجاز المستمر وبدأ يقلد الجدات؟

قبل عقد من الزمن، كان يُنظر إلى جيل الألفية (Millennials) بوصفه الجيل الذي غيّر العالم الرقمي؛ فهو الذي احتضن وسائل التواصل الاجتماعي، وبنى ثقافة “العمل الدائم”، وأعاد تعريف النجاح بوصفه سلسلة متواصلة من الإنجازات الشخصية، والسفر، وبناء العلامة الشخصية، والعمل الجانبي. لكن المشهد تغير بصورة لافتة مع الجيل التالي.اليوم، يقود كثير من أبناء جيل Z، المولودين تقريبًا بين 1997 و2012، موجة ثقافية تبدو للوهلة الأولى متناقضة مع العصر الذي نشأوا فيه.

ففي الوقت الذي يبلغ فيه الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي أعلى درجات التطور، يزداد اهتمامهم بالحياة البطيئة والطهو المنزلي والحدائق والحياكة والمشي والقراءة الورقية وتقليل استخدام الهواتف، بل وحتى تقليد نمط حياة الجدات الإيطاليات فيما أصبح يُعرف على منصات التواصل باسم Nonna Maxxing.

قد تبدو هذه الظاهرة مجرد موضة عابرة، إلا أن علماء الاجتماع وعلماء النفس يرون أنها تعكس تحولًا ثقافيًا عميقًا في علاقة الإنسان بالتكنولوجيا والعمل والهوية، وربما تكون بداية مرحلة جديدة في تاريخ المجتمعات الرقمية.

أولًا: ما هو Nonna Maxxing؟

ظهر مصطلح Nonna Maxxing على منصات مثل TikTok وInstagram خلال عامي 2024 و2025، ويعني حرفيًا “تعظيم أسلوب حياة الجدة”. لا يدعو هذا الاتجاه إلى العودة للماضي أو رفض الحداثة، بل إلى استعادة بعض القيم التي كانت تميز حياة الجدات: إعداد الطعام منزليًا، والمشي اليومي، والعناية بالنباتات، والحياكة والخياطة، والقراءة، واستقبال الضيوف، وإبطاء وتيرة الحياة، وتقليل الاعتماد على الهاتف، والاهتمام بالأسرة والجيران، وأخيرًا القدرة على الراحة دون الشعور بالذنب. ولذلك فهو أقرب إلى فلسفة اجتماعية منه إلى مجرد صيحة على الإنترنت.

ثانيًا: لماذا ظهر هذا الاتجاه الآن؟

الإرهاق الرقمي (Digital Fatigue): يُعد جيل Z أول جيل لم يعرف الحياة قبل الإنترنت. نشأ أفراده وسط الهواتف الذكية والإشعارات المستمرة وخوارزميات المنصات والبث المباشر والمقارنات الاجتماعية التي لا تنتهي. تشير دراسات في علم النفس الرقمي إلى أن التعرض المستمر للمحتوى القصير يزيد من الإرهاق المعرفي، ويضعف القدرة على التركيز، ويرفع مستويات القلق. لذلك أصبحت البساطة تمثل شكلاً من أشكال استعادة السيطرة على الانتباه.

الاحتراق الوظيفي المبكر: على عكس الأجيال السابقة، بدأ كثير من أبناء جيل Z حياتهم المهنية خلال جائحة كورونا، ثم في ظل التضخم العالمي وارتفاع أسعار السكن وعدم الاستقرار الوظيفي وتوسع اقتصاد العمل الحر. كل ذلك جعلهم يشعرون بالإرهاق في سن مبكرة، ولهذا ظهرت فلسفات مثل Quiet Quitting وBare Minimum Monday وLazy Girl Jobs وSoft Living، وجميعها تعكس الفكرة نفسها: الحياة ليست للعمل فقط.

فقدان الإحساس بالمجتمع: تُظهر أبحاث علم الاجتماع أن العلاقات الاجتماعية أصبحت أكثر رقمية وأقل عمقًا. ورغم أن جيل Z هو الأكثر اتصالًا عبر الإنترنت، فإنه أيضًا من أكثر الأجيال شعورًا بالوحدة. لذلك نجد اهتمامًا متزايدًا بلقاءات الطبخ الجماعي، ونوادي القراءة، والزراعة المنزلية، والمقاهي الهادئة، والحرف اليدوية، وهي كلها أنشطة تعيد بناء العلاقات الواقعية.

ثالثًا: لماذا يتمرد جيل Z على جيل الألفية؟

هنا تكمن النقطة الأكثر إثارة، فعادةً ما يحاول كل جيل أن يعرّف نفسه من خلال الاختلاف عن الجيل السابق. إذا كان جيل الألفية قد تبنى ثقافة النجاح والإنتاجية والعمل المستمر وبناء العلامة الشخصية تحت شعار “كن الأفضل”، فإن جيل Z يميل إلى شعار مختلف: “كن مرتاحًا”. يرى كثير من علماء الاجتماع أن هذا ليس رفضًا للنجاح، بل إعادة تعريف له، فالنجاح لم يعد يعني العمل 14 ساعة يوميًا، بل أصبح يعني امتلاك وقت فراغ، وصحة نفسية، وعلاقات مستقرة.

رابعًا: هل يمثل Nonna Maxxing رفضًا للتكنولوجيا؟

الإجابة الأقرب هي: لا. هذا الجيل لم يرفض التكنولوجيا، بل يرفض هيمنة التكنولوجيا. فهم يستخدمون الذكاء الاصطناعي، لكنهم لا يريدون أن يصبح كل وقتهم داخل الشاشة. إنه انتقال من التكنولوجيا بوصفها أسلوب حياة إلى التكنولوجيا بوصفها أداة، وهذا فرق جوهري.

خامسًا: الذكاء الاصطناعي… هل غيّر مفهوم العمل؟

ربما تكون هذه أهم نقطة في تفسير الظاهرة، فمع صعود الذكاء الاصطناعي بدأت كثير من الوظائف المعرفية تصبح قابلة للأتمتة. لذلك أصبح السؤال: إذا كانت الآلة ستنجز العمل، فما الذي يبقى للإنسان؟ الإجابة التي بدأ كثير من الشباب يقدمونها هي أن الإنسان يبقى في العلاقات والإبداع والطبخ والفن والموسيقى والتأمل والعائلة والطبيعة، أي في الأشياء التي يصعب اختزالها إلى خوارزمية. ومن هنا أصبحت الحياة البطيئة تبدو أكثر قيمة من أي وقت مضى.

سادسًا: لماذا تقلد الجدات تحديدًا؟

الجدة في المخيال الغربي لا تمثل العمر فقط، بل تمثل الحكمة والاستقرار والإيقاع البطيء والطهو المنزلي والعلاقات الاجتماعية والرضا بالحياة. ولهذا أصبحت شخصية “Nonna” رمزًا ثقافيًا مضادًا لثقافة السرعة. فالعودة إلى الجدة ليست عودة إلى الماضي، بل احتجاج على الحاضر.

سابعًا: هل هذا التحول صحي نفسيًا؟

تشير أبحاث علم النفس الإيجابي إلى أن كثيرًا من السلوكيات التي يتبناها Nonna Maxxing ترتبط بتحسن الصحة النفسية، من المشي إلى الطهو، مرورًا بالزراعة والأعمال اليدوية وتقليل استخدام الهاتف والنوم المنتظم والعلاقات الاجتماعية، وجميعها ترتبط بانخفاض معدلات القلق والاكتئاب وتحسن جودة الحياة. لكن الإفراط في تمجيد البساطة قد يتحول أيضًا إلى شكل جديد من المثالية إذا أصبح ضغطًا اجتماعيًا أو “ترندًا” يجب الالتزام به.

ثامنًا: هل يمثل هذا الاتجاه مستقبل المجتمع؟

ربما لا، لكنه يمثل تصحيحًا لمسار استمر أكثر من عشرين عامًا. فالاقتصاد الرقمي دفع المجتمع إلى أقصى درجات السرعة، ويبدو أن الإنسان بدأ يبحث عن نقطة توازن. ولهذا يتوقع بعض الباحثين أن تكون السنوات القادمة قائمة على نموذج جديد يجمع بين الذكاء الاصطناعي في العمل والبساطة في الحياة الشخصية، أي تقنيات أكثر… وحياة أبطأ.

وفي الختام، لا يمثل Nonna Maxxing مجرد موضة شبابية عابرة، بل يعكس تحوّلًا في القيم بعد عقود من تمجيد السرعة والإنتاجية والاتصال الدائم. فقد نشأ جيل Z داخل بيئة رقمية كثيفة، حيث أصبح الهاتف امتدادًا للذات، وتحولت المنصات إلى ساحات للمقارنة المستمرة، وغدا النجاح مرتبطًا بالحضور الرقمي والعمل المتواصل. وفي مواجهة هذا الإرهاق، برزت البساطة بوصفها خيارًا واعيًا لاستعادة السيطرة على الوقت والانتباه والعلاقات الإنسانية.ولا يعني هذا التحول رفضًا للتكنولوجيا أو الذكاء الاصطناعي، بل إعادة تعريف لدورهما. فبدل أن يكونا مركز الحياة، يُراد لهما أن يصبحا أدوات تخدم الإنسان لا أن تحدد إيقاع يومه. ومن هذا المنظور، يمكن النظر إلى تقليد نمط حياة “الجدات” باعتباره رمزًا ثقافيًا للبحث عن التوازن، لا حنينًا رومانسيًا إلى الماضي.وربما يكون السؤال الحقيقي الذي يطرحه هذا الجيل ليس: كيف نعمل أكثر؟ بل: كيف نعيش أفضل؟ وفي عصر يتقدم فيه الذكاء الاصطناعي بوتيرة غير مسبوقة، قد تصبح هذه القدرة على بناء حياة ذات معنى، قائمة على العلاقات والراحة والإبداع والاتصال بالعالم الواقعي، واحدة من أهم المهارات الإنسانية التي لا يمكن أتمتتها. فالمستقبل، على الأرجح، لن يكون صراعًا بين التكنولوجيا والبساطة، بل محاولة مستمرة لتحقيق توازن ناضج بينهما.

شارك هذا المقال :
WhatsApp
Facebook
X
LinkedIn