من صف الروضة إلى مقعد الزعيم: صناعة التبعية. كتب جان زغيب

القائد لا يُصنع من تصفيق الناس ولا من قرار مجلس، بل يولد يوم يقرر أن ينهض ويواجه.

القيادة ليست صورة على مواقع التواصل ولا لقباً على ورق، بل فعل يومي وثمنه غالٍ. غير أنّ ما نراه في لبنان هو عكس ذلك تماماً؛ إذ تحوّلت القيادة إلى وراثة عائلية وتحالف مصالح، تعيد إنتاج نفسها جيلاً بعد جيل.

هذه التبعية لا تنشأ فقط من الساحات السياسية، بل تُغرس منذ مقاعد الدراسة. حين يُربّى الطفل على الحفظ الأعمى بدل النقد، وعلى الخوف من المعلم بدل الحوار معه، يصبح من السهل أن يكبر مواطناً مطواعاً يتبع الزعيم دون مساءلة.

الفشل الذي نراه في السياسة ليس إلا انعكاساً لفشل في التربية والتعليم: مدارس تكرّس التراتبية الصارمة، جامعات تطبع الشهادات أكثر مما تصنع العقول، ومناهج تزرع الولاء بدل أن تنمي التفكير الحر.المجتمع اللبناني يحتاج ثورة وعي تبدأ من الصفوف قبل الساحات.

يحتاج إلى شباب ونساء ورجال يرفضون أن يكونوا قطعاناً تتبع الزعيم، ويطالبون بتعليم يربّي فيهم روح المواطنة لا الطاعة العمياء. فلبنان ليس مزرعة ولا إرثاً، بل وطن لا ينهض إلا عندما يتعلم أفراده أن القيادة مسؤولية وليست امتيازاً.

الانهيار الذي يعيشه البلد اليوم يبدأ من المؤسسات التربوية كما من القرى والبلدات. فالمحسوبيات والزبائنية تتسرّب من أصغر التفاصيل: من تعيين مدير مدرسة بالواسطة، من تهميش الأساتذة المبدعين، من تحوّل الجامعات إلى منصات نفوذ لا مراكز معرفة.

القيادة الحقيقية تبدأ عندما نكسر هذه الحلقة، ونبني نظاماً تعليمياً يختار الأكفأ لا الأقرب.

لن نبني بلداً في ظل “النكايات” وحب الألقاب، ولن ينهض لبنان بشهادات فارغة أو تعليم يسجن العقل. البلد يبنيه أهل الفكر والمترفعون، من يضعون المعرفة في خدمة الناس لا في خدمة مصالحهم. يرتقي التعليم حين يُصبح رسالة لا تجارة، وحين يحرر النفوس من عقد الولاء الضيق ليزرع فيها قيماً عليا لا تطلب إلا الخير لأهلها.

جان زغيب

ناشر ورئيس تحرير منصة جديدنا نيوز

خبير استراتيجي في الإعلام السياسي وصناعة النفوذ الرقمي والإعلام الذكي

شارك هذا المقال :
WhatsApp
Facebook
X
LinkedIn