في هذا المقال المنشور على موقع العربية.نت، يسلّط الكاتب الضوء على مهارة جوهرية يغفل عنها كثير من الآباء أثناء تربية أبنائهم، وهي تنمية الشعور بالأمان العاطفي، باعتباره الأساس الحقيقي لبناء شخصية متوازنة قادرة على مواجهة تحديات الحياة، بعيداً عن التركيز التقليدي على التفوق الأكاديمي والسلوك المثالي فقط.
يبدأ المقال بتفكيك الاعتقاد الشائع بأن النجاح في التربية يُقاس بالإنجازات الظاهرة، مثل الدرجات العالية والانضباط، ليؤكد أن الأبحاث النفسية تشير إلى أن الثقة بالنفس والمرونة النفسية لا تنبع من الضغط أو التوجيه المستمر، بل من شعور الطفل بالأمان الداخلي الذي يسمح له بأن يكون على طبيعته دون خوف من الرفض أو التقييم. هذا التحول في الفهم يعيد تعريف مفهوم التربية الناجحة، ليجعل من الأمان العاطفي محوراً أساسياً فيها.
ويستند المقال إلى رؤية خبيرة الصحة النفسية للأطفال ريم روضة، التي توضح أن السلوكيات المزعجة أو التمرد الظاهر لدى الطفل غالباً ما تخفي وراءها حاجة غير ملبّاة للشعور بالأمان. فكلما شعر الطفل بأن مشاعره مقبولة ومفهومة، أصبح أكثر قدرة على التعبير عنها بطريقة صحية، ما ينعكس إيجاباً على نموه النفسي والاجتماعي.
في هذا السياق، يعرض المقال ست طرق عملية لغرس الأمان العاطفي، تبدأ بالدعوة إلى التوقف عن استعجال الطفل للتعبير عن مشاعره أو محاولة حل مشكلاته فوراً. فالتسرع في التهدئة قد يدفع الطفل إلى الانفصال عن مشاعره، بينما يحتاج فعلياً إلى حضور عاطفي هادئ يتيح له استكشاف ما يشعر به. مجرد قول “أنا هنا، خذ وقتك” يمكن أن يكون له أثر عميق في تعزيز شعوره بالأمان.
كما يشدد المقال على أهمية تمكين الطفل من تعريف مشاعره بنفسه، بدلاً من فرض تفسيرات جاهزة عليه. فعندما يُقال للطفل “أنت لست جائعاً” أو “أنت لا تكره صديقك”، يتعلم التشكيك في إحساسه الداخلي. بينما طرح أسئلة مفتوحة مثل “ماذا تشعر؟” يعزز ثقته بذاته ويطوّر استقلاله العاطفي.
ومن النقاط اللافتة التي يطرحها المقال التمييز بين “النمو” و”التأقلم”، حيث يبيّن أن الطفل المطيع بشكل مفرط قد لا يكون بالضرورة في حالة نمو صحي، بل ربما يتكيف مع بيئة لا يشعر فيها بالأمان، فيحاول إرضاء والديه على حساب ذاته. في المقابل، الطفل الذي يعبّر عن رفضه أو إحباطه يكون غالباً أكثر شعوراً بالأمان، لأنه لا يخشى فقدان العلاقة.
كذلك، ينتقد المقال أسلوب تقييم الأطفال بشكل مستمر، سواء بالإيجاب أو السلب، لأن ذلك يربط قيمتهم بأدائهم. وبدلاً من ذلك، يدعو إلى اعتماد لغة وصفية فضولية تركز على الجهد والمشاعر، مما يخلق بيئة أكثر أماناً ودعماً للنمو.
أما فيما يتعلق بردود فعل الأهل، فيحذر المقال من الإفراط في التوجيه والتصحيح، لأن ذلك يحرم الطفل من فرصة فهم مشاعره بنفسه. فالحضور الهادئ دون تدخل مفرط يمنح الطفل مساحة داخلية للتفكير والتطور.
ويختتم المقال بالتأكيد على أن تعليم الأمان العاطفي لا يمكن أن يكون شكلياً، بل يتطلب وعياً ذاتياً من الأهل أنفسهم. فالطفل قادر على التمييز بين الهدوء الحقيقي والتصنّع، لذلك فإن ضبط مشاعر الوالدين والتعامل معها بصدق يُعد جزءاً أساسياً من العملية التربوية.
بهذا الطرح، يقدّم المقال رؤية عميقة تعيد ترتيب أولويات التربية، حيث تصبح مهارة أساسية يغفل الآباء عن تعليمها لأبنائهم هي بناء الأمان العاطفي، باعتباره حجر الأساس لشخصية متوازنة وقادرة على التكيف مع تعقيدات الحياة.



