في العام الماضي، وبمناسبة اليوم العالمي للإذاعة، توقفنا عند الدور المستمر الذي تؤديه الإذاعة ولا سيما الإذاعات المجتمعية والجمعوية في تعزيز التنوع الثقافي، والمشاركة، وإتاحة الوصول إلى المعلومة في العالم العربي. وبعد عام، لم يعد السؤال المطروح هو ما إذا كانت الإذاعة ما تزال ذات أهمية، بل كيف تتقاطع اليوم مع التقنيات الحديثة، وفي مقدمتها الذكاء الاصطناعي، في مجتمعات لا يزال فيها الوصول إلى المعلومة غير متكافئ.يدعونا شعار هذا العام، «الإذاعة والذكاء الاصطناعي»، إلى تجاوز الوعود التكنولوجية، وطرح سؤال أبسط وأكثر واقعية: من يملك فعليًا إمكانية الوصول إلى الذكاء الاصطناعي، ومن خلال أي قنوات؟
الإذاعة، الذكاء الاصطناعي، وإتاحة الوصول إلى المعلومات
شهد الوصول إلى الإنترنت في المنطقة العربية توسعًا ملحوظًا، لكنه ظل غير متكافئ. فبحسب بيانات الاتحاد الدولي للاتصالات، تسجّل بعض دول الخليج معدلات اتصال مرتفعة جدًا، في حين ما تزال دول أخرى، لا سيما المتأثرة بالنزاعات أو بالهشاشة الاقتصادية، تواجه فجوات كبيرة في الوصول. وحتى في البيئات المتصلة، تبقى كلفة الاتصال، ومستويات المهارات الرقمية، وحواجز اللغة عوائق حقيقية.
غير أن الوصول إلى الإنترنت لا يعني بالضرورة الوصول إلى الذكاء الاصطناعي، الذي يتطلب في الغالب مهارات إضافية، وأجهزة مناسبة، وقدرات لغوية محددة.وعلى الصعيد العالمي، ما يزال أكثر من ملياري شخص خارج نطاق الإنترنت. أما ما هو أقل وضوحًا، وضعيف التوثيق في العالم العربي، فهو عدد الأشخاص الذين يُستبعدون فعليًا من الذكاء الاصطناعي، وبالتالي يواصلون الاعتماد على التواصل الشفهي، واللهجات المحلية، أو الوصول الجماعي إلى وسائل الإعلام.
لطالما استجابت الإذاعة لهذه الواقع. فهي تترجم المعلومات المعقدة إلى لغة يومية مفهومة، وتصل إلى الناس بشكل جماعي، دون اشتراط القدرة على القراءة والكتابة، ودون الحاجة إلى اتصال دائم بالإنترنت أو إلى أجهزة فردية. وعند دعمها بتطبيقات بسيطة للذكاء الاصطناعي، مثل تلخيص المعلومات، أو ترجمة المحتوى، أو تنظيم تفاعل الجمهور، يمكن أن تصبح الإذاعة جسرًا عمليًا نحو الذكاء الاصطناعي لفئات لن تتعامل معه مباشرة. ومع ذلك، لا توجد حتى اليوم بيانات إقليمية شاملة حول كيفية استخدام الذكاء الاصطناعي داخل المنظومات الإذاعية في العالم العربي، أو إمكانات توظيفه فيها.
النساء، الذكاء الاصطناعي، واستمرار الفجوة الرقمية
تظل الفجوة الرقمية بين الجنسين سمة بارزة في المنطقة. فالنساء في الدول العربية أقل استخدامًا للإنترنت مقارنة بالرجال، وتشير التقديرات العالمية إلى أن نساء الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أقل اتصالًا بالإنترنت بنسبة تتراوح بين 10 و15 في المائة. ولا يقتصر أثر هذه الفجوة على الوصول إلى المعلومات، بل يمتد ليشمل التقنيات الناشئة، ومنها الذكاء الاصطناعي.ورغم تصاعد النقاشات العالمية حول النساء والذكاء الاصطناعي، فإن المعطيات الخاصة بالمنطقة العربية حول كيفية تفاعل النساء مع هذه التكنولوجيا في حياتهن اليومية، أو حتى مدى تفاعلهن معها، ما تزال محدودة جدًا.
هنا أيضًا، تلعب الإذاعة دورًا تعويضيًا. فمنذ عقود، شكّلت مصدرًا موثوقًا للمعلومة بالنسبة للنساء، لا سيما في البيئات المنزلية، والريفية، والعمل غير المنظم. ومن خلال برامج تتناول الصحة، والتعليم، وسبل العيش، والحقوق، ساهمت الإذاعة في إتاحة المعرفة قبل وقت طويل من انتشار المنصات الرقمية. ويمكن للذكاء الاصطناعي، حين يُدمج عبر الإذاعة بدل الشاشات الفردية، أن يعزز هذا الدور، شريطة فهم واقع النساء واحتياجاتهن وتوثيقها بشكل أفضل.
الشباب، المشاركة، والمساحات الجماعية
غالبًا ما يُوصَف الشباب في العالم العربي بأنهم أكثر اتصالًا رقميًا من غيرهم، وهم بالفعل أكثر استخدامًا للإنترنت مقارنة بالفئات العمرية الأكبر سنًا. إلا أن الاتصال بحد ذاته لا يضمن المشاركة، أو التأثير، أو الوصول إلى معلومات موثوقة. فما تزال الظروف الاقتصادية، والسياقات السياسية، وتفاوت المهارات الرقمية تؤثر في انخراط الشباب في الشأن العام.
تقدم الإذاعة نموذجًا مختلفًا: مساحة عامة مشتركة ومُدارة. فقد أتاحت الإذاعات المجتمعية والجمعوية، كما جرى تسليط الضوء عليه في تحليلاتي حول هذا القطاع في المنطقة، للشباب فرص التعبير، والنقاش، وإنتاج المحتوى بشكل جماعي — بما في ذلك خلال فترات الأزمات والتحولات الاجتماعية. ويمكن لأدوات الذكاء الاصطناعي أن تدعم هذا الدور من خلال مساعدة الإذاعات الصغيرة على تحليل تفاعل الجمهور، وإدارة المحتوى، وفهم القضايا الناشئة.
ومع ذلك، تبقى الأدلة محدودة. إذ لا تزال الأبحاث حول كيفية تفاعل الشباب مع الذكاء الاصطناعي عبر الإذاعة أو عبر وسائل غير رقمية نادرة في العالم العربي، رغم الأهمية المستمرة لهذه المساحات الجماعية.الإصغاء بشكل أفضل في عصر الذكاء الاصطناعي.
إلى جانب الشباب والنساء، يمكن للإذاعة، عند اقترانها بتطبيقات بسيطة للذكاء الاصطناعي، أن تسهم أيضًا في دعم كبار السن الذين يعانون من العزلة أو من بوادر التراجع المعرفي. فالأصوات المألوفة، والبرامج المنتظمة، والرسائل الواضحة، تساعد على الحفاظ على التواصل، وتخفيف القلق، وتعزيز الشعور بالأمان — خاصة لدى من لا يشعرون بالارتياح تجاه التقنيات الرقمية.لا يسعى هذا الطرح إلى تمجيد الذكاء الاصطناعي أو التحذير منه، بل إلى تبسيطه وإزالة الغموض عنه، وإظهار كيف يمكن أن يوجد خارج الشاشات والخبرة التقنية، وأن يخدم فئات ومجتمعات غالبًا ما تُستبعد من النقاشات الرقمية.
ومن خلال الإذاعة، يصبح الذكاء الاصطناعي أكثر قابلية للفهم، وأكثر إنسانية، وأكثر قربًا من الناس.وفي زمن يُبالَغ فيه أحيانًا في تقدير مدى الوصول إلى الذكاء الاصطناعي، تظل الإذاعة، كما كانت دائمًا، وسيلة إنسانية، محلية، مرنة، وضرورية بهدوء



