الثقافة والتعليم: لماذا تتفوق بعض المجتمعات دراسيًا؟ كتب فاروق غانم خدّاج

عندما تُعلن نتائج الاختبارات الدولية مثل PISA أو TIMSS، تتكرر مشهدية لافتة: دول آسيوية مثل سنغافورة، اليابان، كوريا الجنوبية، وفنلندا تتصدر القوائم، فيما تتراجع دول أخرى إلى ذيلها.

السؤال الجوهري: هل السبب وفرة الموارد؟ جودة البنية التحتية؟ أم أنّ هناك عوامل أعمق، تنبض في شرايين الثقافة المجتمعية نفسها؟الدراسات التربوية والأنثروبولوجية تكشف أن الجواب لا يكمن في المناهج أو الإنفاق فقط، بل في عقلية المجتمع تجاه التعلم، والقيم غير المرئية التي تورثها الأسر لأبنائها، فتتحوّل إلى قوة دافعة للتفوق.

الموهبة أم الجهد؟

في المجتمعات الاقل حظوة، يسود اعتقاد بأنّ الذكاء موهبة فطرية، فتقتل هذه النظرة حافز المحاولة عند أول فشل.

بينما في الدول المتقدمة، تسود عقلية النمو: الإيمان بأن الذكاء كالعضلة، ينمو بالتدريب والمثابرة. الفشل يُنظر إليه كمرحلة طبيعية في رحلة التعلم، والجهد هو القيمة الأساسية، لا الموهبة وحدها.

التعليم كقضية جماعية

في كوريا الجنوبية، يُطلق على التعليم اسم “الرياضة القومية”، ليصبح التفوق الدراسي مسؤولية جماعية.

المقاهي تفتح أبوابها طوال الليل للطلاب، والأسر تضحي بالكثير لأجل تعليم أبنائها.

التعليم هنا ليس سباقًا فرديًا، بل رحلة جماعية يرتقي فيها الجميع معًا، على عكس المجتمعات الفردية حيث يتحمّل الطالب وحده عبء النجاح.ولتوسيع البعد الثقافي، يمكن مقارنة ذلك بما كان سائداً في المدن العثمانية، حيث كانت الكتاتيب والمدارس القرآنية تجمع الأطفال والأساتذة في بيئة تعليمية تشاركية، وكان المجتمع كله يُشجّع على حفظ العلم والقراءة.

وعلى الصعيد المعاصر، يمكن الاستشهاد بتجارب عربية ناجحة مثل “مدرسة الضيعة” في لبنان، التي تعتمد على إشراك المجتمع المحلي في العملية التعليمية، أو مبادرة “أقرأ” في الإمارات التي تربط الأطفال بالقراءة والمجتمع، ما يعكس استمرار روح المسؤولية الجماعية تجاه المعرفة.

المعلم بين القداسة والمهنة

في فنلندا وسنغافورة، المعلّم ليس موظفًا فقط، بل مهندس للعقول، محترم اجتماعيًا ومؤهّل بشدة، مما يمنحه سلطة حقيقية ويحفّز شغف المتفوقين للانضمام إلى المهنة.

في المقابل، في بعض المجتمعات الأخرى، يتحول المعلم إلى موظف بيروقراطي، فتصبح السلطة داخل الصف ضعيفة، وينخفض التأثير التربوي.الهدف من التعليم: الإنسان أم الامتحان؟

في الدول التي تعطي قسمة للتعلم، التعليم يهدف إلى بناء الإنسان المتكامل: المفكر، المواطن المسؤول، المبدع. الاختبارات أدوات قياس فقط.

أما في المجتمعات الأخرى، يصبح التعليم مجرد تحضير للامتحان، فيقتل الفضول ويحوّل المعرفة إلى حفظ ميكانيكي.

ليست موارد.. بل قيم

لا يمكن لفصل مكيف أو كتاب رقمي أن يعوّض عن غياب ثقافة التعلّم.

هي القيم التي تغرسها الأسر، الاحترام الذي يمنحه الأب لمعلم ابنه، ورسالة المجتمع الجماعية:”أنت قادر، ومحاولتك هي ما تُعرّفنا بك.”

التقاليد المجتمعية والتاريخ الثقافي يلعبان دورًا مهمًا في تشجيع روح التعلم والمثابرة. المجتمعات التي تقدر العلم والجهد منذ عقود، تبني ثقافة تعليمية صلبة، تجعل التفوق الدراسي نتاجًا طبيعيًا للنسيج الاجتماعي والثقافي.

التفوق الدراسي ليس مسألة تقنية فقط، بل قصة إنسانية عن مجتمع يؤمن بأبنائه ويقدّس المعرفة، يرى الفشل محطة للتعلم والجهد طريقًا للنمو.

هل نحن مستعدون لإعادة بناء ثقافتنا التعليمية على أسس القيم؟

شارك هذا المقال :
WhatsApp
Facebook
X
LinkedIn