في هذا العمل الصادر عن Higher Education Policy Institute (HEPI) في أكتوبر 2025، يجتمع عدد من الأصوات الأكاديمية والقيادية، من ويندي هول وفينت سيرف إلى روز لوكين وجايلز كاردن، لتقديم بانوراما معمّقة لكيفية اندماج الذكاء الاصطناعي في قلب الجامعة: التدريس، التقييم، البحث، والخدمات المهنية.
يتبدّى منذ الصفحات الأولى أنّ النقاش ليس استشرافًا بعيدًا، بل استجابة راهنة لتحوّل جارٍ يفرض إعادة تعريف أدوار البشر والأنظمة معًا. يبدأ الكتاب بتأكيد أنّ “الثورة قائمة هنا والآن” وأنّ على الجامعات تطوير “ثقافة طلاقة بالذكاء الاصطناعي” لدى الطلبة والموظفين على حدّ سواء؛ ليس بوصفها تدريبًا تقنيًا عابرًا بل كخطة مؤسسية تتضمن قياس الكفاءات، التطوير المستمر، وتمكين قادة تربويين يجسرون بين البيداغوجيا والتقنية.
يقدّم جانيس كاي ودرفل أوين مقاربة ثلاثية: تحديد مستويات الكفاءة المطلوبة لكل دور، إدماج التعلّم المستمر بحوافز وهيكلة عبء العمل، وصناعة قادة ومروّجين لمناهج تعليم مدعومة بالذكاء الاصطناعي داخل المؤسسة. هكذا تتحوّل “الطلاقة” من مبادرات متناثرة إلى تخطيط قوى عاملة يحمي المصداقية الأكاديمية في زمن التغيّر السريع.
على الضفة التعليمية الصِرفة، تقترح كيت بوثويك ستة مبادئ عملية لبناء “معرفة بالذكاء الاصطناعي” تشمل: الفهم الأساسي لكيفية عمل النماذج اللغوية الكبيرة وحدودها، الشراكة في تصميم التدريب، تواصل يربط استخدام الأدوات بمخرجات التعلّم، الشفافية في توظيف الذكاء الاصطناعي من طرف الهيئات الأكاديمية كما يُطلب من الطلاب، تضمين الاعتبارات الأخلاقية، والتعلّم المستمر.
تُحاجج بأنّ الذكاء الاصطناعي بات “جيّدًا جدًا” في أداء ما نطلبه عادةً من الطلاب لإثبات التعلّم، ما يضع التقييم التقليدي تحت مجهر إعادة التصميم. وتستند إلى بيانات HEPI/Kortext التي تُظهر قفزة في الاستخدام: 92% من الطلاب يستخدمون الذكاء الاصطناعي و88% يوظفونه في التقييمات، مع طلب متزايد على الدعم المؤسسي المنهجي.
هنا تتقدّم روز لوكين بمداخلة فلسفية-تطبيقية: نحن في “عاصفة مثالية” نتجت عن التقاء وفرة البيانات وخوارزميات التعلّم الآلي وقوة الحوسبة، ما يستدعي “زيادة ذكائنا البشري” لا الاتّكال على الأتمتة. تدعو لإعادة توجيه التقييم نحو “التفكير الراقي” والقدرات البشرية الفريدة، الميتامعرفة، التنظيم الذاتي، الإبداع، الذكاء العاطفي، مع استخدام تحليلات ذكية ترصد رحلة التعلّم نفسها بدل الاكتفاء بمُخرجاتها النهائية. لكنها تحذّر: لا معنى لذلك دون “الأنابيب” (البنى البيانية) التي تُتيح قياسات مفيدة وأمينة، وإلا بقيت “القصائد” (التجارب التعليمية الثرية) مجرّد وعود.
في مساهمة فينتون ج. سيرف، أحد “آباء الإنترنت”، يتوازن الإعجاب بقدرة النماذج اللغوية على توليد حوار متماسك مع تحذير عملي من “الهلوسة”، تلك الثقة المضلِّلة بمعلومات مُختلقة، مستشهدًا بمثال ساخر لاقتراح أداةٍ أكل الحصى لإضافة معادن! الحلّ ليس المنع بل تحويل النماذج إلى “وسطاء سقراطيين” مع إلزام الطالب بإظهار العناية الواجبة: الإحالة والتثبّت من مصادر داخلية وخارجية، والعقل السليم قبل كل شيء. كما يلمّح إلى واجهات لغة طبيعية بين نماذج وُكلاء (Knowbots) تفتح أفقًا لبحث معياري مؤتمت يتفاعل مع الويب بمعنىً دلالي أدق.
أمّا جايلز كاردن فينقل الذكاء الاصطناعي من قاعة الدرس إلى غرفة القيادة: صياغة الاستراتيجية وتنفيذها. من التحليل البيئي السريع، إلى النمذجة التنبؤية، إلى لوحات قياس فورية تعدّل تخصيص الموارد وتلتقط إشارات السوق والمنافسين في الزمن الحقيقي. لكنه يُحذّر من ثلاثة مطبّات: اختيار التقنيات واقتصادياتها (التفاوت الكبير في كلفة “الاستدلال المتقدّم” بين النماذج)، نُضج البنى البيانية داخل الجامعة، وحاجة القيادات إلى “ترشيح الإشارة” من ضوضاء البيانات التي ستولّدها الأدوات نفسها.
أخيرًا، يعرض فصل “الذكاء الاصطناعي ومستقبل البحث في الجامعات” (المُعدّ عبر ChatGPT Enterprise) خريطة طريق على مستوى دورة البحث كاملة: اكتشاف الأدبيات، تنظيف البيانات وتحليلها، النمذجة، وصياغة المخرجات والترجمة والمراجعة؛ مع توصيات استراتيجية للبنى التحتية، وحدات دعم متخصصة، سياسات مسؤولية وشفافية، وتدريب متعدد التخصصات. خلاصة المجلّد: ليست القضية “كيف نمنع الغشّ؟” بل “كيف نُعيد تعريف الذكاء والجامعة في عصر تعايش الذكاءين، البشري والاصطناعي، بما يرقّي الإنسان بدل أن يستبدله؟”.
على مستوى “الخدمات المهنية”، العمود الفقري الإداري للجامعة ، يقدّم أنت باغشو أطروحة براغماتية: الأتمتة بالمولّدات اللغوية قادرة على تحقيق مكاسب إنتاجية مادّية (تلخيص وثائق، صوغ مسودّات، فهم لوائح، ذاكرة مؤسسية) في بيئة تتأرجح ماليًا. نعم، سيُعاد توزيع الوظائف وقد تتقلّص أعدادٌ، لكن مقابل أدوار نوعية أكثر إبداعًا وتأثيرًا إذا قادتها ثقافة إنسانية تُعيد تدريب الزملاء وتُشركهم مبكرًا سودير باروانا يبرهن بأمثلة عمليّة: أتمتة عمليات كثيفة في غلاسكو، مساعد طلابي رقمي يعمل 24/7 في ستافوردشاير، ولوحات تنبؤية للتدخل المبكر في نوتنغهام ترنت، مع ضوابط مسؤولية، وحوكمة امتثال، وتدقيق انحياز.



