تراجع التفكير العميق وصعود الاستجابات السطحية: أزمة معرفية تهدد العقل المعاصر. بقلم د. مراد بهلول

اصبح فعل التفكير يميل لدى الكثيرين اليوم إلى الاستجابات السطحيّة والسريعة دون القدرة و الانخراط في مسارات تفكير طويلة وعميقة و معقّدة.

ذلك ما تبينه دراسات علم النفس العصبي التربوي. يبدو أنّ القدرة المعرفية للإنسان المعاصر تمرّ بحالة من الانحدار الخفيّ.

لا يتعلق الأمر هنا بضعف التحصيل العلمي والمعرفي وكثرة المعلومات السطحية والمظللة التي تهيمن على اغلب العقول بل يتجاوز ذلك إلى مستوى إضعاف وتلاشي واضمحلال القدرات الذهنية الأساسية مثل الانتباه والتركيز والقدرة على التحليل.

امام تعرضه المتكرر للمحتوى السريع والمُجزّأ والبسيط ، أصبح التفكير لدى اغلب الناس يميل إلى الاستجابات السطحية ويجد صعوبة متزايدة في الانخراط في مسارات تفكير طويلة أو معقّدة وفهم ظواهر مركبة .

بدأت ملامح انقسام اجتماعي جديد تتشكّل بصمت وستتعمق لاحقا قوامها القدرة على التفكير. إن تراجع بنية التفكير لدى الكثيرين واقتصاره على الاستجابات السطحية يهدّد بإعادة إنتاج اللامساواة الاجتماعية انطلاقا من بنية التفكير ذاته. ستكون النتيجة لاحقا اعادة انتاج البنية الاجتماعية الطبقية (طبقة مهيمنة وطبقة مهيمن عليها) انطلاقا من بنية التفكير والادراك التي بدأت في التشكل : بين من يفكر ومن يستحيب سطحيا.

إنّ أخطر ما يلوح في الأفق هو أنّ هذا التحوّل يجري بصمت، وأنّ انحدار القدرات الذهنية للفرد العادي يتقاطع مع صعود قدرات المنظومات الذكية، في نشوء طبقية معرفية جديدة تتجاوز الطبقية الاقتصادية التقليدية. وفي حال استمر المسار على هذا النحو، فلن تكون اللامساواة المقبلة مسألة فرص مهنية أو دخل مالي فحسب، بل مسألة شكل العقل نفسه: هل هو عقل فاعل ومنتج للمعنى، أم عقل غارق في ردود الفعل السريعة، بعيد عن العمق الذي يمنح الإنسان موقعه التاريخي؟

شارك هذا المقال :
WhatsApp
Facebook
X
LinkedIn