اثبتت الدراسات المتقدمة عدمية استطاعة تلقين الأطفال وصعوبة تعلّمهم وهم في مرحلة الخوف.
حينما يكون التلميذ الطفل في حصة دراسية، سواء أكانت مشتركة او خاصة عائلية او عمومية وعندما تعلو نغمة صوت المربي او المربية ويحتل الصراخ المساحة الكبيرة في الخطابة والمناقشة، وتتجلى ملامح القسوة والغضب في وجه وعيون المعلم والمعلمة، يحصل شئ غريب في نفسية الطفل، فيتحجر في أعماقه أمور عديدة وصغيرة.
يتجمد العقل ولا يعود أصل تركيزه قادر على الفهم، وتضمر مساحة الاستيعاب. يسيطر الخوف ويفعل في رأسه ودماغه نظام التعامل الاستثنائي الذي لا يمت لجوهر التواصل الاجتماعي التربوي بأي صلة ايجابية وهي نسقية الهرب من أجل الدفاع وحماية نفسه من العصبية والتعلم. تتراجع في مكنونه سياقية النظام المرتجى في الفهم والاتقان للتعلم. يقفل الخوف كل طرق الفهم الرأس ومراكز التعلم في المخ. ويتبدل بشكل لا إرادي الى اشكالية التركيز على سطحية حفظ المعلومة من شعار كيفية الفهم إلى طريقة وحيثية وكيفية عدم أغضاب المعلم او المعلمة.
نصف في هذه الحالة الولد والذي أضحى في عمره أكبر من سن السابعة. مع بدء تشكل الوعي عنده وارتسام معالم التواصل. حيث أضحى يفرق بين الالفاظ ويقدر اصل التواصل اللفظي والنظري ويعرف العنف التربوي كذلك المعاني ويخاف منه. حينما تعصب وتصرخ عليه في فترة الحصة الدراسية، يشرع الى وصل الغضب والألم مع الرفض في التعلم، ويبدأ في الابتعاد عن المتعة العلم يفكر في الهرب وتكبر عنده كراهية المغامرة في الاكتشاف. ويخاف من التفكير والتعبير بحرية خوفا من العنف.
تقل مع الوقت ثقته بنفسه، ويخاف من الخطأ بشكل كبير. وينحسر حبه للمعرفة وشراهيته العلم مع الايام. ويعلق في حلقات مفرغة قوامها العقد بالغباء وعدم القدرة والاستطاعة. ويدخل في نمطية التفكير القطيعي غير المنتج. ويفضل العزلة العلمية في سبيل الاحتماء من الألم والعصبية والعنف. فيحصل التسرب الأكاديمي والمدرسي بشكليه المادي والمعنوي. ويصبح الهدف له النجاة المادي وليس الفهم العقلي المادي والمعنوي الموازي والمعزز. وتتحول سردية الرضا لكي يكون مرتاح وهنا تتشكل نظرية القطيع التي لا علاج منها سوى التفكير من خارج الصندوق.
تشكل القسوة بالنسبة الى طفل في عمر دون السابعةخطيئة وإيذاء وتتخطى نتائجهما الطفل عينه. لا يحظى الطفل في هذه الفترة العمرية في الاليات العقلية المناسبة لربط الأسباب وفهم التبريرات. يقف عند مصطلحات عدم المحبة والكراهية والرفض والأذية. تتسع مع الوقت غرفته الداخلية العميقة الأغوار والخافتة الانوار والمتخثرة من المرونة مع فقدانه للثقة والأمان. حيث تشكل هذه التأسيسات الخاطئة على في المستقبل وحتى بعد ثلاثين سنة من ناحية سلوكه وعلاقته بنفسه وبالمجتمع. فعندما يلاحظ ان من يحبه يصرخ عليه، تتمحور في خواصه كتلة في الخوف الظني من الخطأ ومن غيره ومن نفسه. تغلف له أبواب حب التجربة والمشاركة والاكتساب وهو الخطر الكبير.
لا تجني القسوة الوعي، بل تحوز الارتياب والقلق وتجعله مطيعا مرضيا. فالصراخ على الطفل بدافع عدم الفشل يصبح مدخل لطريق الفشل المزدوج . فهنالك خوفين على الاهل. الاول في فشلهم والثاني في فشل ولدهم. حيث ترتسم على الكثر منهم مشاهد قديمة في المجتمع مشابهة لهذه التجارب. انها تحدياتهم القديمةوالمدفونة وتحديات ولدهم وتحدياتهم بهم. لكن تبدأ معالجة هذه المعضلات بالوعي والواقعية وليس بالمثالية وبإفهام الولد بأن التعلم ليس ساحة حرب بل مسرح طمأنينة.
لا ينمو العقل ولا يزدهر الادراك في بيئة من عدم اليقين والخوف، بل يأخذ دوره في الأمان. ويبدأ في ممارسة مهارته الايجابية في جو مليء بالتناغم الانسجام والثقة مع الأولاد، والذي تقع عليهم أعباء القيادة والريادة في المستقبل.



