تتأسس بدايات التجربة التعلمية المدرسية للتلميذ على دعائم معرفية ثلاث وهي القراءة والكتابة والحساب lire, écrire et compter. تتطور هذه المعارف لاحقا و تتعدد وتتنوع طيلة المسار الدراسي لتشكل موادا مدرسية تستمد شرعيتها من المعارف العلمية.
يمكن للمواد المدرسية ان تنتظم وفق عائلات (عائلة المواد) وتمتد وتتفرع الى تخصصات أخرى حسب نوعية المسار او المسلك المدرسي للتلميذ. قد تتجاور المواد المدرسية في ما بينها وتتعالق احيانا. و مع ذلك تبقى كل مادة مدرسية تتميز بخصوصيتها وهويتها التعليمية.
لذلك ينتظم برنامج كل مادة مدرسية على نحو مخصوص ويمثل مجمل المعارف التصريحية والاجرائية التي يتملكها التلميذ في مستوى دراسي معين. ان هذه المقاربة رغم ما حققته من نجاحات أصبحت اليوم محل نقد شديد من حيث :
– اختزال أدوار المدرسة في التلقين ومراكمة المعارف غير المجدية- غياب معنى للتعلمات المدرسية. اذ استحالت ازمة المدرسة الى ازمة معنى التعلمات ودلالاتها وعلاقاتها بالحياة والقضايا الجوهرية الانية والمستقبلية.ان محتويات المواد المدرسية بعيدة عن إشكالات الواقع وعالم الشغل والمستجدات العلمية والتكنولوجية وما يهدد المجتمعات من اخطار وما يخترق العالم من تساؤلات.
– انحسار التعلمات الى نتائج مدرسية مجزأة مفتتة لا تتعدى الحصول على عدد يسمح بالارتقاء من مستوى الى اخر وتوجيه جامعي ينتج بطالة دائمة.- غالبا ما استحالت المواد التعليمية الى قطائع مفككة لا رابط بينها. ضمن هذا السياق تتجه الأنظمة التربوية المعاصرة إلى مقاربة جديدة تسمى المقاربة المجالية.
تحيل هذه المقاربة التي بدات تتشكل وفقها الهندسة الجديدة للمحتويات المدرسية على ثلاث أفكار أساسية وهي :
المجال التعلمي و التربية على ومهارات الحياة.
يعني المجال فضاء ذهنيا للتحاور والتفاعل والتبادل بين المواد ويكون مدخلا لـبناء كفايات افقية مشتركة. انه يحيل على المنهجية الشمولية و الديناميكية للتعلمات و تعدد المحتوى، انطلاقا من كونه إطار تقاطعات لعدة معارف لا تنتمي إلى نفس الوحدة الابستمولوحية. لا يحيل المجال على واقع أنطولوجي او توبوغرافي او على احساس او كينونة واقعية او على عائلة من المواد.
انما يحيل إلى اطار معرفي مرجعي وبناء ذهني يقطع مع تشظية المعرفة وتجزاة المواد المدرسية ليؤسس لديناميكية العلاقة بين المحتويات و المواد على مستوى الإحداثيات، والمفاهيم و الكفايات والتعلمات. إن لمفهوم المجال، مردودية إبستمولوجية و تعلمية كبرى نظرا لمرونته وعلاقته المحايثة بمفهوم الحركة والعلاقة والفكر المركب والمنظومي.
إن المجال ليس ثابتا تنتظم من خلاله المعارف ضمن منطق هووي وضمن منطق انتماء داخل/خارج وانما يتغير، يختلف، ينقسم، يتمدد،. ضمن هذا السياق يمكن لمادة مدرسية معينة ان تنتمي إلى اكثر من مجال ضمن رؤية تاويلية.إن المقاربة المجالية ليست تذويبا للمواد المدرسية او إطارا تتحلل فبه هذه المواد وانما هي إعادة تشكيل لها وفق رؤية نسقية ومنظومية تمكننا من تحقيق كفايات افقية تساعد على تطوير المراقي العرفانية العليا مثل التفكير المركب وصياغة الإشكاليات وحل المشكلات والابتكار والتفكير النقدي التقاطعي.
ان التحول من منطق المادة إلى منطق المجال ليس تحولا اليا و ميكانيكيا وانما يقتضي مجموعة من الشروط متعلقة خاصة بهندسة البرامج و الاختيارات البيداغوجية والأنظمة التقييمية وخاصة تكوين الفاعلين التربويين وتغيير تمثلاتهم ونظرياتهم المعرفية الضمنية.



