يفتتح المقال بمشهد حيّ من أحد أحياء بيروت الضاحية، حيث تتحوّل الحياة اليومية إلى سلسلة من التدابير الذاتية: مولّد كهرباء خاص يعوّض انقطاع التيار، تبرعات أهلية لتأمين الدواء، وشباب ينظّمون حملات تنظيف وصيانة دون انتظار أي تدخل رسمي.
هذا المشهد لا يُقدَّم كاستثناء، بل كتمثيل مكثّف لتحوّل أعمق يطال بنية الدولة والمجتمع في لبنان، حيث يتراجع الحضور الرسمي إلى حدوده الرمزية، وتبرز أشكال جديدة من التنظيم الاجتماعي تنشأ من داخل الأحياء.
يركّز المقال على فكرة محورية مفادها أن الدولة اللبنانية لم تعد فاعلاً يومياً في حياة المواطنين، بل غابت فعلياً عن تأمين أبسط الخدمات الأساسية. تدهور الكهرباء، المياه، الطرق، وضبط الأسعار، لم يعد حدثاً طارئاً بل واقعاً دائماً.
يبرز قطاع الكهرباء كنموذج صارخ لهذا الانهيار، إذ لم تعد مؤسسة كهرباء لبنان قادرة إلا على تأمين ساعات محدودة جداً من التغذية، ما فتح الباب أمام سوق المولدات الخاصة لتتحول إلى بنية اقتصادية قائمة بذاتها، تُقدَّر قيمتها بمليارات الدولارات، وتعمل خارج أي إطار تنظيمي فعّال.
في هذا السياق، يتجاوز المقال توصيف المولدات كحل تقني، ليقدّمها كنموذج سياسي مصغّر. أصحاب المولدات باتوا يحدّدون الأسعار، ساعات التغذية، وآليات المحاسبة، ويفرضون قواعد محلية تشبه، في جوهرها، وظائف الدولة. هكذا يتشكّل ما يشبه “دولة داخل الدولة”، لا تستمد شرعيتها من القانون، بل من الضرورة، ومن عجز السلطة الرسمية عن أداء دورها.
ينتقل المقال بعد ذلك إلى دور الأحزاب السياسية، التي وجدت في الفراغ الخدماتي فرصة لتوسيع نفوذها الاجتماعي. من خلال تقديم مساعدات غذائية، خدمات طبية، تعليمية ومالية، تعيد الأحزاب صياغة علاقتها بالمواطن، بحيث تصبح نقطة الارتكاز الأساسية للحماية والدعم.
لا يُقدَّم هذا الدور بوصفه عملاً خيرياً محضاً، بل كآلية نفوذ تُنتج ولاءات جديدة، وتؤسس لمجتمعات موازية تُدار من خارج منطق الدولة الجامعة.
في مقابل هذه الأشكال السلطوية البديلة، يسلّط المقال الضوء على صعود المجتمع الأهلي والمبادرات الشبابية، بوصفها استجابة مختلفة في طبيعتها ودوافعها. لجان أحياء، مجموعات تطوعية، مبادرات بيئية واجتماعية، ومشاريع دعم محلي، كلها تشكّل محاولات لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، لا عبر السيطرة أو النفوذ، بل عبر التضامن والتنظيم الذاتي.
يشير المقال إلى أن هذه المبادرات تمكّنت من التكيّف والإبداع في مواجهة أزمات متراكمة، لكنها تعاني في الوقت نفسه من ضعف الاستدامة بسبب نقص التمويل وهجرة الكفاءات.
يتوسّع النص في تحليل التحوّلات الاجتماعية العميقة التي تنتج عن هذا الواقع، حيث تعود شبكات الجيرة والعلاقات المحلية لتلعب دوراً محورياً في إدارة الحياة اليومية. تظهر قيادات محلية جديدة، غير منتخبة وغير رسمية، لكنها فاعلة، ويبرز مفهوم “القيادة المجتمعية” كبديل عملي عن الهيكل المؤسسي الغائب.
هذا التحوّل لا يعكس فقط أزمة خدمات، بل أزمة شرعية، إذ تصبح القدرة على تقديم الخدمة هي معيار السلطة الفعلي.
يعزّز المقال طرحه بآراء خبراء يرون في هذا المسار إعادة ترتيب عميقة للعلاقة بين الدولة والمجتمع. من منظور سياسي، يُقرأ هذا الواقع كتحوّل في مفهوم المواطنة، حيث تُفصل الحقوق عن الدولة المركزية وتُربط بجهات بديلة.
ومن منظور أمني وتنموي، يُعتبر غياب الدولة عن تقديم الخدمات تهديداً مباشراً لسيادتها، إذ يفتح المجال أمام قوى غير حكومية لتثبيت أدوار دائمة.وفي خاتمته، يطرح المقال السؤال الجوهري: هل نحن أمام مرحلة انتقالية فرضتها الأزمة، أم أمام نموذج اجتماعي جديد قد يصبح دائماً؟
يوازن النص بين احتمالين؛ الأول أن تكون هذه البنى المحلية جسراً مؤقتاً للبقاء، والثاني أن تتحوّل إلى واقع مستقر يعيد تعريف الدولة والمواطنة في لبنان. غير أن الخلاصة تبقى حذرة: دون إطار قانوني ومؤسساتي جامع، تبقى هذه “الدولة من الأسفل” قوية في إدارة الأزمات، ضعيفة في بناء دولة.



