دور التعليم في بناء ثقافة القيم المشتركة والحس الوطني في لبنان. د. ربيع بدواني مخلوف

تشكل سنوات التعليم الأساسي والمتوسط مرحلة حاسمة في بناء ثقافة الفرد، وبما يخص الواقع اللبناني، في تشكيل الولاء للوطن بوصفه شعورًا بالانتماء إلى جماعة سياسية جامعة، وقبولًا بالقواعد المشتركة، والاستعداد للاعتراف بالآخر كشريك في المصير.

هذه المرحلة هي التي تتكون فيها هوية الإنسان، وانتماءاته، وأطره الأخلاقية المرجعية. تتفق نظريات علم الاجتماع وعلم النفس المعرفي على أن القيم تسبق التفكير السياسي النقدي، بل تشكل الأساس الذي يُبنى عليه هذا التفكير لاحقًا. في المقابل، غالبًا ما تكون هوية الطالب في المرحلة الجامعية قد تبلورت إلى حدّ كبير، حيث يساهم التعليم العالي في تطوير وجهات النظر وصقلها أكثر مما يساهم في زرع ولاءات تأسيسية جديدة. لذلك، فإن غرس القيم الوطنية خلال التعليم الأساسي يسمح للحس الوطني وتقبّل القيم المشتركة بالتجذّر بشكل متوازٍ مع التنشئة الطائفية التي يتلقاها الفرد في المنزل.

في هذا الإطار، لا يمكن تصنيف ضعف الولاء للوطن على أنه غيابًا لهذا الولاء، بل باعتباره إعادة توجيه له. فالولاء لا يزول، بل يفتر تجاه الدولة، ويتحول نحو أطر بديلة قادرة على تأمين الحماية أو الخدمات أو الاعتراف، كالحزب السياسي، أو الطائفة، أو حتى دولة أخرى.

يتميّز لبنان بتعددية دينية وثقافية عميقة، تشكّل الإطار العام للحياة السياسية والاجتماعية. وقد أدى التاريخ السياسي اللبناني إلى تداخل الدين بالسياسة وبشبكات الخدمات الاجتماعية، حيث أصبحت الطوائف والأحزاب المرتبطة بها وسطاء أساسيين بين المواطن وموارد الدولة. ونتيجة هذا التداخل، إضافة إلى التنافس الحاد بين المواطنين على موارد الدولة المحدودة، من الوظائف العامة إلى التعليم والخدمات الصحية إلخ…، يتحوّل ولاء المواطنين تدريجيًا نحو الحزب أو الطائفة التي شكّلت سندهم الفعلي في تحصيل حقوقهم أو تأمين الحد الأدنى من الأمان الاجتماعي في ظل دولة واهنة وغير قادرة على أداء واجباتها الأساسية، حتى يصبح الولاء مسألة براغماتية تتماشى مع أولية المصالح حتى تأمين القوت اليومي، أكثر منه خياراً قيمياً.

القيم والثقافة ليست فطرية، بل تُبنى وتُنقل اجتماعيًا عبر مسارات متراكمة. في هذا الإطار، تشكل العائلة الوسيط الأول لنقل الثقافة، من خلال اللغة، والدين، والسرديات السياسية، وبناء ثنائية “نحن” مقابل “هم”.

ومن هذا المنطلق، تبقى التنشئة الاجتماعية الأسرية في لبنان ذات طابع طائفي-سياسي أكثر منها وطنية. هذه التنشئة لا تُلام أخلاقيًا، لكنها تبين حدود العائلة كنواة اجتماعية غير قادرة، على بناء هوية وطنية جامعة.

هنا تبرز أهمية المدرسة بوصفها الإطار المؤسساتي الأول الذي يخرج فيه الطفل من دائرة العائلة الضيقة إلى أفق اجتماعي أوسع. ففي المدرسة، يتعرّف التلاميذ على سلطة شرعية غير عائلية، وعلى أنداد من خلفيات اجتماعية وطائفية مختلفة، وعلى قوانين وأعراف مشتركة تُطبّق على الجميع.

بهذا السياق، تشكل المدرسة أول تجربة واقعية للمواطن.من المفترض أن تشكل المدارس مساحات مدنية مشتركة ومحايدة في مجتمع متعدد الطوائف. فالمعلم ليس فاعلًا سياسيًا، بل محفّزًا للاندماج الاجتماعي. التعليم في المرحلة التأسيسية قادر، نظريًا، على غرس قيم وطنية مشتركة، مثل احترام الاختلافات الدينية والثقافية، قبول التعددية، والإيمان بالمصير المشترك. ويتم ذلك من خلال التربية المدنية، وتدريس تاريخ وطني غير إقصائي وتشجيع العمل الجماعي، إضافة إلى الممارسات الرمزية كالاحتفالات الوطنية.

هذه الأدوات لا تبني دولة، لكنها تساهم في إعداد أجيال قادرة على تصوّر الدولة بوصفها كيانا جامعًا.مع ذلك، لا بد من الإقرار بأن دور التعليم يبقى محدودًا في ظل غياب دولة فاعلة. فالتعليم شرط ضروري لبناء الولاء الوطني لكنه غير كافٍ بمفرده. لا يمكن مطالبة التلميذ بالإيمان بدولة لا توفر له لاحقًا الأمن، العدالة، وتكافؤ الفرص. من هنا فإن التعليم لا يصنع الولاء الوطني بشكل مباشر، بل يزرع قابلية نفسية وثقافية لتقبّل هذا الولاء إذا توفرت شروطه الاجتماعية والسياسية.

انطلاقًا مما تقدم، يبدو دور المعلم محوريًا في بناء أجيال تتقبل التعدد الطائفي وتؤمن بالعيش المشترك. لكن يبرز هنا سؤال إشكالي: ماذا عن المعلم نفسه؟ كيف يمكن الاعتماد على المعلم بوصفه حاملًا لمشروع وطني، وهو ذاته يعاني من تبعات تقصير الدولة وفشلها؟

فالمعلمون في لبنان يكافحون للحصول على أبسط حقوقهم، من بدلات أتعاب لم تُدفع منذ سنوات، إلى تثبيت وظيفي مؤجل، ومعاشات لا تكفي لتأمين الحد الأدنى من العيش الكريم.

يبقى هذا المقال ناقصًا إن لم يُسلَّط الضوء على المصاعب التي يوجهها العاملون في قطاع التعليم. فهم يتعرضون لضغوط هائلة نتيجة الانهيار الاقتصادي، وتدني الرواتب، والأزمات السياسية المتكررة، وتزايد الأعباء المعيشية.

هذه الظروف تؤدي إلى احتراق نفسي وقلق واكتئاب، وانخفاض في التركيز، وضعف في اتخاذ القرار، وصعوبة في التعامل التربوي مع التلاميذ، ما ينعكس تراجعًا في الأداء التعليمي ورغبة متزايدة في ترك المهنة. والنتيجة المباشرة لذلك هي تدهور جودة التعليم وتأثير سلبي طويل الأمد على التلاميذ، الذين يشكّلون في نهاية المطاف مستقبل البلاد.

بالتالي، فإن الحديث عن دور التعليم في بناء الولاء للوطن لا يمكن عزله عن واقع المعلم والمؤسسة التعليمية وواقع البلد ككل. فالمعلم المرهق والمهمّش لا يستطيع أن يكون حاملًا لقيم وطنية جامعة. إن الاستثمار في التعليم ليس مسألة تربوية فحسب، بل هو خيار سياسي يعكس جدية الدولة في بناء مواطنين يؤمنون بها.

شارك هذا المقال :
WhatsApp
Facebook
X
LinkedIn