الاحتمال (probability ) في العالم الحديث: من رمية العملة إلى الذكاء الاصطناعي

نُشر هذا المقال في موقع The Conversation بقلم أستاذ الهندسة زاكاري ديل روزاريو من كلية أولين للهندسة، حيث يقدّم شرحاً معمّقاً لكيفية عمل الاحتمال ولماذا يشكّل أحد الأعمدة الخفية التي يقوم عليها العالم التقني والعلمي المعاصر.

ينطلق المقال من فكرة فلسفية لافتة للفيلسوف Bertrand Russell الذي وصف الاحتمال بأنه المفهوم الأهم في العلم الحديث رغم أن قلة تفهم معناه بدقة. هذه المفارقة تمثّل المدخل الأساسي لفهم الاحتمال في العالم الحديث: فهو مفهوم رياضي دقيق، لكنه يتعامل مع شيء يبدو للوهلة الأولى غامضاً أو غير قابل للتنبؤ، أي العشوائية.

يشرح الكاتب أن الاحتمال هو فرع من الرياضيات يصف الأحداث العشوائية، لكن العشوائية هنا لا تعني الغرابة أو الفوضى، بل تعني أحداث الصدفة القابلة للنمذجة، مثل رمية قطعة نقدية. فحين نصف حدثاً بأنه عشوائي، فنحن لا نقصد أنه بلا نظام، بل إنه غير قابل للتنبؤ الدقيق في كل مرة، لكنه يكشف نمطاً واضحاً على المدى الطويل. هنا يكمن جوهر الاحتمال في العالم الحديث: التنبؤ بالسلوك طويل الأمد من خلال تكرار التجربة.

ينتقل المقال إلى مفهوم «فضاء العينة» باعتباره الخطوة الأولى في أي نموذج احتمالي. فعند رمي قطعة نقدية، يمكننا تعريف النتائج الممكنة بأنها: وجه أو كتابة. لكن من الناحية الفيزيائية، يمكن أن تسقط القطعة على حافتها، ولو بنسبة ضئيلة جداً. إذن اختيارنا لفضاء العينة ليس بريئاً؛ إنه قرار نمذجي يحدد ما ندرسه وما نهمله. في هذا السياق، الاحتمال في العالم الحديث ليس مجرد حساب رقمي، بل بناء نموذج قائم على افتراضات واضحة.

ثم يتناول الكاتب مسألة توزيع الاحتمالات. في الحالة المثالية، تكون قطعة النقد «عادلة» باحتمال 50% لكل وجه. لكن الواقع أكثر تعقيداً: يمكن للغشاش أن يتحكم بالنتيجة، ويمكن للقطعة الحقيقية أن تميل إحصائياً إلى الوجه الذي بدأت به الرمية. هذا يعني أن عدالة الاحتمال ليست خاصية مطلقة، بل نتيجة لشروط وضوابط محددة، مثل اختيار الوجه الابتدائي عشوائياً. تتراكم الافتراضات لتشكّل ما يُسمّى «النموذج الاحتمالي»، وهو تبسيط رياضي للواقع يسمح باستخلاص أنماط عامة.يطرح المقال سؤالاً مهماً: لماذا لا نحلّل رمية القطعة بقوانين الفيزياء بدلاً من استخدام الاحتمال؟ بالفعل، أظهرت دراسات فيزيائية أن تغييرات طفيفة في سرعة الرمي أو زاويته تحدد النتيجة بدقة. لكن هذه الحساسية الشديدة للشروط الابتدائية تجعل التنبؤ العملي مستحيلاً تقريباً، مما يجعل النموذج العشوائي أكثر فاعلية. هنا تتجلى قوة الاحتمال في العالم الحديث: ليس لأنه يتجاهل القوانين الفيزيائية، بل لأنه يوفر أداة عملية للتعامل مع التعقيد.

يميز الكاتب بين «الاحتمال» و«التكرار». فالتكرار هو ما يحدث فعلياً في سلسلة محدودة من التجارب، كأن نحصل على نتيجتين «وجه» من أصل ثماني رميات بنسبة 25%. أما الاحتمال فيصف السلوك المتوقع عند تكرار التجربة عدداً لا نهائياً من المرات. في الحالة الخاصة التي يقترب فيها عدد المحاولات من اللانهاية، يتقارب التكرار مع الاحتمال. هذا التمييز جوهري في فهم الإحصاء والبحث العلمي، لأن النتائج القصيرة الأمد قد تنحرف عن النمط طويل الأمد.

بعد التأسيس النظري، ينتقل المقال إلى التطبيقات العملية، موضحاً أن الاحتمال في العالم الحديث هو البنية التحتية غير المرئية لأنظمة الذكاء الاصطناعي، والتشفير، والإحصاء الطبي. ففي أنظمة الذكاء الاصطناعي، خصوصاً نماذج اللغة الكبيرة، يتم حساب احتمال الكلمة التالية بناءً على البيانات التدريبية. فإذا كتب المستخدم «New York»، فإن النظام يحسب احتمالات الكلمات اللاحقة مثل «City» أو «State». المخرجات ليست يقينية، بل قائمة على توزيع احتمالي، ولذلك تختلف الإجابات عند تكرار السؤال نفسه. كل كلمة جديدة أشبه برمية قطعة نقدية محسوبة بدقة.

أما في علم التشفير، فالعشوائية ليست مجرد خاصية مرغوبة بل شرط أمني. كلمات المرور التي تعتمد على كلمات مألوفة، حتى لو إن بدت «مفاجئة»، أسهل في التخمين من تسلسل أحرف مختار عشوائياً. لذلك فإن توليد كلمات مرور قوية يعتمد على اختيار احتمالي مستقل لكل رمز، ما يجعل عدد التركيبات الممكنة هائلاً ويصعّب الاختراق.

وفي الإحصاء الطبي، يظهر الاحتمال في العالم الحديث بأوضح صوره من خلال «التجارب العشوائية المضبوطة». توزيع المرضى عشوائياً بين العلاج الجديد والعلاج القياسي يهدف إلى تحييد كل العوامل الأخرى: العمر، الجنس، العرق، الدخل وغيرها. العشوائية هنا ليست عبثاً، بل أداة منهجية لضمان أن الفروق في النتائج تعود إلى العلاج نفسه لا إلى عوامل خفية.

يختم المقال بالتأكيد على أن الاحتمال، كأي بناء رياضي، هو نموذج لا يطابق الواقع تماماً، لكنه أداة فعّالة لفهم السلوك طويل الأمد وتسخير العشوائية لحل مشكلات عملية. الاحتمال في العالم الحديث ليس مجرد مسألة أكاديمية، بل لغة خفية تحكم الذكاء الاصطناعي، والأمن الرقمي، والبحث العلمي، وحتى القرارات التي تمس حياة البشر.

شارك هذا المقال :
WhatsApp
Facebook
X
LinkedIn