نُشر هذا المقال في مجلة أسواق العرب، بالتوازي مع صدوره بالإنكليزية في فورين أفّيرز، ويقدّم قراءة معمّقة في فجوة الذكاء الاصطناعي بوصفها نتيجة مباشرة لاحتدام الصراع الأميركي–الصيني، وتحولها إلى رافعة لإعادة إنتاج التبعية التكنولوجية على مستوى النظام الدولي.
ينطلق المقال من فرضية مركزية مفادها أن فجوة الذكاء الاصطناعي لم تعد مجرد تفاوت تقني بين دول متقدمة وأخرى نامية، بل أصبحت بنية هيكلية جديدة تعيد رسم خرائط النفوذ العالمي. فالولايات المتحدة والصين تستقطبان قرابة 70% من نخبة باحثي تعلّم الآلة، وتسيطران على نحو 90% من قدرات الحوسبة المتقدمة، فضلًا عن استحواذهما على الحصة الكبرى من الاستثمارات العالمية في القطاع.
هذا التركّز غير المسبوق لا يعكس تفوقًا تقنيًا فحسب، بل يؤسس لنظام ثنائي القطبية تكنولوجيًا، يهدد بتحويل بقية الدول إلى أطراف تابعة في اقتصاد الذكاء الاصطناعي.
تؤكد الدراسة أن فجوة الذكاء الاصطناعي تختلف عن فجوات الثورات الصناعية السابقة. ففي الماضي، استطاعت دول متأخرة نسبيًا أن تلحق بالركب عبر استيراد التكنولوجيا وتوطينها تدريجيًا. أما اليوم، فإن طبيعة الذكاء الاصطناعي، المعتمدة على قدرات حوسبة هائلة، وبنى تحتية سحابية، وتحديثات مستمرة للنماذج، تجعل إمكانية اللحاق أكثر تعقيدًا، بل قد تؤدي إلى ترسيخ تبعية طويلة الأمد بدل تقليصها.
يركّز المقال على ما يسميه “القوى المتوسطة” في مجال الذكاء الاصطناعي، مثل فرنسا والهند والمملكة المتحدة، وهي دول تمتلك مؤسسات قوية واقتصادات معتبرة، لكنها تفتقر إلى الحجم الكافي من رأس المال والطاقة والقدرات الحاسوبية لتطوير أنظمة رائدة بشكل مستقل. هذه الدول تواجه ثلاث معضلات مترابطة: أولًا، وصولها إلى التقنيات المتقدمة يبقى رهينة قرارات واشنطن وبكين؛ ثانيًا، ستتأثر بتداعيات الذكاء الاصطناعي، من اضطرابات سوق العمل إلى الجرائم السيبرانية، سواء امتلكت التقنيات أم لا؛ ثالثًا، نفوذها في صياغة قواعد اللعبة العالمية محدود للغاية.
تشرح المقالة أن نمط الوصول الحالي للذكاء الاصطناعي عبر منتجات وخدمات شركات أجنبية يبدو ظاهريًا مريحًا، لكنه هش استراتيجيًا. فأنظمة الذكاء الاصطناعي لا تُخزّن كسلع تقليدية، بل تعتمد على اتصال دائم ببنية تحتية تسيطر عليها شركات أميركية أو صينية، وتخضع في النهاية لقرارات سياسية. ومع تعمّق دمج الذكاء الاصطناعي في قطاعات حيوية كالصحة والطاقة والدفاع، ستتحول مسألة قطع الوصول إلى تهديد وجودي للاقتصادات المتوسطة.
يستعرض المقال محاولات بعض الدول لتقليص فجوة الذكاء الاصطناعي عبر إنشاء مراكز بيانات سيادية قادرة على تشغيل نماذج أجنبية محليًا. غير أن هذه المقاربة، رغم ما تمنحه من هامش سيطرة، تظل مكلفة ومعتمدة على التحديث المستمر للنماذج وسلاسل توريد الرقائق المتقدمة. فحتى “السيادة الحاسوبية” تبقى ناقصة ما دامت البرمجيات والرقائق والصيانة رهينة منظومات خارجية.أما محاولة تطوير نماذج وطنية مستقلة، كما فعلت شركات مثل “ميسترال” الفرنسية و”كوهير” الكندية، فتصطدم بتفوق النماذج الأميركية والصينية من حيث الأداء والكفاءة. ونتيجة لذلك، تميل المؤسسات الكبرى إلى تفضيل الحلول الأعلى جودة، ما يعمّق فجوة الذكاء الاصطناعي بدل ردمها.
ينبّه المقال أيضًا إلى أن المخاطر المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، سواء في الأمن السيبراني أو المجال العسكري أو حتى الاستخدامات الإجرامية، لا تعترف بالحدود. الدول التي لا تملك قدرات متقدمة قد تجد نفسها عاجزة عن بناء دفاعات فعّالة، ما يجعلها أكثر هشاشة أمام خصوم يملكون أدوات ذكاء اصطناعي متطورة، سواء كانوا دولًا كبرى أو جهات غير حكومية.
في مواجهة هذا الواقع، يقترح المقال ثلاث استراتيجيات أمام “القوى المتوسطة” لتجنب الوقوع الدائم في فجوة الذكاء الاصطناعي. الأولى هي الاصطفاف مع أحد المعسكرين لضمان وصول مستقر إلى التكنولوجيا، لكنها تعمّق الاعتماد الأحادي. الثانية تقوم على التحوّط عبر استغلال التنافس الأميركي–الصيني لانتزاع شروط أفضل والحفاظ على قدر من التوازن. أما الثالثة فهي السعي إلى سيادة تكنولوجية حقيقية من خلال استثمارات ضخمة في الحوسبة والطاقة والكفاءات، وهي استراتيجية عالية المخاطر وقد تفضي إلى نتائج دون الطموح إذا لم تُدعَم بموارد كافية.
لا يتوقف التحليل عند مسألة الوصول، بل ينتقل إلى سؤال التموضع الاقتصادي. فالدول المتوسطة تستطيع لعب أدوار استراتيجية في حلقات معينة من سلسلة القيمة: مثل مدخلات أساسية (معدات تصنيع الرقائق، بيانات تدريب عالية الجودة)، أو في “نقاط التحويل” التي تنقل الذكاء الاصطناعي من نموذج برمجي إلى تطبيق صناعي فعلي، كالروبوتات والتصنيع المتقدم. النجاح هنا لا يرتبط بامتلاك أقوى نموذج، بل بالتموضع في موقع يصعب تجاوزه.
ويؤكد المقال أن مستقبل النظام الدولي قد يتحدد بمدى قدرة هذه الدول على تحويل فجوة الذكاء الاصطناعي من فخ تبعية إلى فرصة تقسيم عمل ذكي. فإذا فشلت، ستتحمل كلفة اضطرابات الذكاء الاصطناعي من دون أن تحصد مكاسبه. أما إذا أحسنت إدارة أصولها الاستراتيجية، فقد تفرض لنفسها موقعًا لا يمكن الالتفاف عليه في اقتصاد عالمي يعاد تشكيله بسرعة.
بهذا المعنى، لا تمثل فجوة الذكاء الاصطناعي مجرد مسألة تقنية، بل تحوّلًا بنيويًا في موازين القوة، يعيد إنتاج التبعية التكنولوجية بصيغة أكثر تعقيدًا وعمقًا من أي وقت مضى.



