استعراض مقال وليد حسين في المدن
يبدو المشهد التربوي في لبنان اليوم أقرب إلى صورة من الارتباك الإداري منه إلى خطة تعليمية واضحة. فالتعميم الذي أصدرته وزيرة التربية ريما كرامي بشأن اعتماد التعليم من بُعد لم ينجح في توحيد آلية العمل داخل المدارس الرسمية، بل فتح الباب أمام تفسيرات متباينة جعلت كل مدرسة تتصرف وفق فهمها الخاص.
بعض الإدارات اعتبرت القرار دعوة فورية لاستئناف التدريس عبر الوسائل الرقمية، بينما رأت مدارس أخرى أن المرحلة الحالية ليست سوى فترة تحضيرية لجمع البيانات وتنظيم العمل قبل بدء التعليم الفعلي.
هذا الالتباس لم يكن تقنياً فحسب، بل كشف عن مشكلة أعمق في جهوزية القطاع التربوي للتعليم عن بُعد. فعدد كبير من الأساتذة لم يحصل بعد على حسابات الدخول إلى منصة Microsoft Teams التي يفترض أن تشكل العمود الفقري للتعليم الرقمي، فيما لا تزال الوزارة تفتقر إلى صورة دقيقة عن أوضاع الطلاب والأساتذة في ظل النزوح الداخلي والظروف الأمنية المتقلبة.
في ظل هذه الفجوات تحوّل التعليم عن بُعد في بعض المدارس إلى مجرد إرسال مقاطع فيديو أو مواد تعليمية عبر تطبيقات التواصل، وهو ما يطرح تساؤلات جدية حول جودة العملية التعليمية وقدرتها على تحقيق الحد الأدنى من الاستمرارية الأكاديمية.
في المقابل، دخلت روابط المعلمين على خط الأزمة محاولة ضبط الإيقاع على الأرض، فدعت إلى اعتبار الفترة الممتدة حتى نهاية عطلة الأعياد مرحلة تحضيرية لا أكثر، على أن يبدأ التدريس المنتظم بعد ذلك.
غير أن هذا الموقف وضع الوزارة أمام معادلة معقدة، إذ إن الإصرار على بدء التعليم فوراً يصطدم بواقع ميداني غير جاهز، فيما يؤدي التأجيل إلى إقرار ضمني بأن القرارات صدرت قبل استكمال الاستعدادات اللازمة.
وبين هذين الخيارين بقيت المدارس الرسمية تتخبط بين مبادرات فردية واجتهادات محلية.المفارقة أن هذا الارتباك يتزامن مع واقع مختلف في عدد من المدارس الخاصة، حيث استؤنف التعليم الحضوري في مناطق عدة من بيروت وجبل لبنان والشمال، ما يعمّق الفجوة التقليدية بين القطاعين الرسمي والخاص.
ومع وجود عدد محدود فعلياً من أيام التدريس خلال الأسابيع المقبلة بسبب تزامن الأعياد الدينية، يرى كثير من التربويين أن تأجيل انطلاقة العام الدراسي كان سيمنح الوزارة وقتاً ثميناً لتنظيم البنية الرقمية وجمع البيانات الضرورية، بدلاً من إطلاق قرار يترك لكل مدرسة حرية تفسيره.
وهكذا تبدو الأزمة الحالية أقل ارتباطاً بالتكنولوجيا وأكثر تعبيراً عن مشكلة مزمنة في إدارة السياسات التعليمية واتخاذ القرارات من خلف المكاتب، وهو نهج يرى منتقدون أنه لم يتغير كثيراً منذ عهد الوزير السابق عباس الحلبي.



