مع دخول الحرب على لبنان شهرها الثاني، لا تبدو الحرب مجرد مواجهة عسكرية مفتوحة على احتمالات ميدانية متغيرة، بل تحوّلت إلى زلزال اجتماعي عميق يعيد تشكيل الحياة اليومية للبنانيين، ويترك ندوبًا نفسية وإنسانية يصعب قياسها أو احتواؤها، خاصة لدى الفئات الأكثر هشاشة، وفي مقدّمها الأطفال.
منذ الأيام الأولى للتصعيد في الثاني من آذار/مارس 2026، لم تقتصر العمليات العسكرية على استهداف البنية القتالية، بل امتدت لتطال النسيج الاجتماعي برمّته. ومع تصاعد القصف واتساع رقعة النزوح، وجد مئات آلاف اللبنانيين أنفسهم أمام واقع جديد قاسٍ: منازل مهدّمة، مدارس مغلقة، عائلات مشتتة، ومستقبل غامض. إلا أن الوجه الأكثر قسوة للحرب يظهر في عيون الأطفال، حيث تتجلى الصدمة بصمتٍ عميق يفوق أحيانًا ضجيج الانفجارات.
صدمة الطفولة: خوفٌ يتجاوز اللحظة
في أحد مراكز الإيواء في بيروت، تروي أم لطفلين كيف أصبح ابنها (8 سنوات) يستيقظ ليلاً مذعورًا مع كل صوت مرتفع، حتى لو كان بابًا يُغلق بقوة. تقول: “لم يعد يفرّق بين صوت القصف وأي ضجيج عادي… يعيش في حالة ترقب دائم”. هذه الحالة ليست استثناءً، بل نموذجًا يتكرر في معظم أماكن النزوح.
يشير اختصاصيون نفسيون إلى أن الأطفال في بيئات النزاع يمرّون بما يُعرف بـ”الصدمة المركّبة”، وهي حالة تنجم عن التعرض المستمر للخطر، وليس فقط لحادثة واحدة. ويؤكد أحد المعالجين النفسيين العاملين مع الأطفال النازحين أن “العديد منهم يظهرون أعراضًا مثل التبول اللاإرادي، فقدان القدرة على التركيز، نوبات غضب مفاجئة، أو انسحاب كامل من التفاعل الاجتماعي”.
الأخطر أن هذه الأعراض لا تنتهي بانتهاء القصف، بل قد تمتد لسنوات، مؤثرة على نمو الطفل النفسي وقدرته على بناء علاقات صحية أو الإحساس بالأمان.
مدارس مغلقة… وجيل معلّق
إلى جانب الصدمة النفسية، تعرّض التعليم لضربة قاسية. أكثر من 150 ألف طفل انقطعوا عن الدراسة، ليس فقط بسبب إغلاق المدارس، بل أيضًا نتيجة النزوح المستمر وانعدام الاستقرار. في بعض مراكز الإيواء، تُبذل محاولات فردية لإقامة صفوف مؤقتة، لكنها تظل محدودة وغير قادرة على تعويض الفاقد التعليمي.
تقول إحدى المعلمات المتطوعات: “نحاول أن نُشعر الأطفال بأن هناك شيئًا طبيعيًا في حياتهم، لكن الحقيقة أن تركيزهم ضعيف جدًا… بعضهم يرسم مشاهد حرب بدلًا من كتابة واجباته”.
هذه الرسومات، بحسب خبراء، تُعد وسيلة تعبير غير مباشرة عن الصدمة، حيث يعجز الطفل عن التعبير بالكلمات، فيلجأ إلى الصورة.
تفكك اجتماعي وضغط نفسي جماعي
الحرب لم تؤثر على الأطفال فقط، بل زعزعت البنية العائلية والاجتماعية ككل. النزوح الجماعي، الذي تجاوز المليون شخص، أدى إلى اكتظاظ في مراكز الإيواء، ما خلق بيئات ضاغطة نفسيًا تفتقر للخصوصية والأمان. هذا الضغط ينعكس بدوره على الأطفال، الذين يستشعرون توتر الأهل وخوفهم، ما يعمّق شعورهم بعدم الاستقرار.
كما أن استهداف البنى التحتية، من طرق وجسور إلى خدمات أساسية، ساهم في عزل مناطق بأكملها، ما زاد من الإحساس بالحصار والانقطاع عن العالم. في هذا السياق، لم تعد الحرب مجرد مواجهة عسكرية، بل تجربة يومية من القلق المستمر.
شهادات من الميدان: الطفولة تحت القصف
طفلة في العاشرة من عمرها، نزحت من جنوب لبنان، تقول: “اشتقت لمدرستي… لكني خائفة أن أعود إلى البيت”. هذا التناقض بين الحنين والخوف يلخّص حالة جيل كامل يعيش بين ذاكرة ما قبل الحرب وواقعها القاسي.
في شهادة أخرى، يروي أحد المسعفين أنه خلال إسعاف عائلة، كان الطفل الوحيد الناجي يرفض مغادرة المكان، قائلاً: “أمي ستعود… لا أريد أن تفتقدني”. هذه اللحظات، كما يقول، “تُحطّم أكثر من أي مشهد دمار”.
رأي الخبراء: آثار طويلة المدى
يحذر خبراء الصحة النفسية من أن استمرار الحرب دون تدخلات دعم نفسي واجتماعي ممنهجة سيؤدي إلى “جيل متأثر عميقًا بالعنف”، مع ما يحمله ذلك من تداعيات مستقبلية على الاستقرار الاجتماعي.ويؤكدون أن الأطفال الذين يكبرون في بيئات نزاع قد يطوّرون إما ميولًا عدوانية أو انسحابية، وقد يعانون من صعوبة في الثقة بالآخرين أو في بناء شعور بالأمان الداخلي. كما أن غياب الروتين اليومي، كالدراسة واللعب، يحرمهم من عناصر أساسية في النمو الطبيعي.
بين الحرب والمستقبل: أي أفق؟
رغم كل المبادرات السياسية المحدودة، لا يزال المسار الدبلوماسي عاجزًا عن مواكبة التصعيد الميداني، ما يترك المجتمع اللبناني في مواجهة مفتوحة مع تداعيات الحرب. وبينما تتواصل العمليات العسكرية وتتوسع أهدافها، يبقى المدنيون، وخاصة الأطفال، في قلب المعاناة.
الحرب في لبنان اليوم ليست فقط صراعًا على الأرض أو النفوذ، بل معركة على الإنسان نفسه: على ذاكرته، صحته النفسية، ومستقبله. وإذا كان الكبار يملكون حدًا أدنى من القدرة على التكيّف أو الفهم، فإن الأطفال يدفعون الثمن بصمت، في داخلهم، حيث لا تُقاس الخسائر بالأرقام، بل بطفولةٍ تُسلب على مرأى العالم.
في ظل هذا الواقع، يصبح السؤال الأكثر إلحاحًا: كيف يمكن إنقاذ جيلٍ ينشأ تحت القصف، قبل أن تتحول الحرب من حدثٍ عابر إلى قدرٍ دائم.



