حين يكتب الإنسان عن عمل أدبي لصديق عزيز، فإنه يقف أمام مسؤولية مضاعفة؛ مسؤولية الوفاء للصداقة، ومسؤولية الإنصاف للنص وما يحمله من جمال وفكر وإحساس. ومن هنا تأتي هذه القراءة المتواضعة في كتاب «وشاح بيروت» للأخ العزيز والصديق الشاعر الدكتور مازن جبري، محاولةً للاقتراب من عالمه الشعري، والتوقف عند بعض المحطات التي أضاءها في هذا السفر الأدبي الجميل، مع الإيمان بأن الأعمال الكبيرة تبقى أوسع من أي قراءة، وأغنى من أن تحيط بها الكلمات.
هناك كتب تولد من علاقة خاصة بين الإنسان والمكان، فتحمل في صفحاتها نبض الذاكرة وحرارة الانتماء. ومن هذا النوع يأتي «وشاح بيروت»، حيث تتحول المدينة إلى قصيدة طويلة، وتصبح الكلمات جسورًا تمتد بين قلب الشاعر وملامح المكان الذي احتضن طفولته وأحلامه ووجدانه.من يقرأ هذا العمل يكتشف تجربة وجدانية تنطلق من الحب العميق للإنسان والوطن. فالعناوين التي اختارها صاحب الكتاب تكشف مسارًا شعريًا يبدأ من الأم، ويمر عبر المدينة، وينفتح على الوطن والحب والقضايا الإنسانية الكبرى.
إنها رحلة في أعماق الروح قبل أن تكون رحلة بين صفحات كتاب.في القسم الأول «بيروت الأم»، يرسم الشاعر صورة الأم بما تختزنه من حنان وقداسة ودفء. فالأم هي الينبوع الأول للمحبة، ومنها تتشكل علاقة الإنسان بالأرض والبيت والمدينة. ومن خلال نصوص مثل «أعايدك يا أمي» و«أقدام أمي» و«وجودك عيد»، نشعر بأن الكاتب يستعيد المعنى الأسمى للوفاء، ويربط بين برّ الأم وعشق بيروت التي احتضنته.
ثم يفتح لنا باب «بيروت المدينة»، فنجد أمامنا بيروت بكل تفاصيلها؛ شوارعها وناسها، أفراحها وأحزانها، تاريخها وأسئلتها. ويظهر الانتماء الوطني في نصوصه التي تتناول لبنان من شماله إلى جنوبه، ومن سهله إلى جباله، حيث يحضر الجنوب والبقاع وفلسطين ولغة الضاد، في مشهد شعري يؤكد أن الوطن مساحة جامعة للذاكرة والكرامة والأمل.
أما «بيروت الحبيبة» فتأخذنا إلى عالم العشق والجمال، حيث تتناغم الصورة الشعرية مع رهافة الإحساس. فالحب في هذه التجربة مساحة لاكتشاف الجمال، ولغة للتعبير عن الدهشة والحنين، ونافذة يرى من خلالها الإنسان قيمة الحياة وروعة التفاصيل.
يمتلك صاحب «وشاح بيروت» قدرة واضحة على منح الخاطرة الشعرية أبعادًا واسعة، إذ يجعل من اللحظة العابرة فكرة، ومن الإحساس صورة، ومن التأمل موقفًا. وتتوزع موضوعاته بين الوطن والحرية والضمير والقلم والإنسان، فتظهر ملامح شاعر يحمل همّ المجتمع كما يحمل أحلام القلب.
وفي نصوص مثل «حمى الله وطني» و «أحبك يا بيروت» و«الخفايا» نلمس صوت شاعر يرى في الكلمة مسؤولية، وفي الشعر رسالة، وفي الوطن أمانة. فهو يكتب عن مدينته كما يكتب عن جزء من روحه، ويمنح بيروت حضورًا يتجاوز الجغرافيا إلى الذاكرة والوجدان.
لقد استطاع صاحب هذا العمل أن يقدم صورة بيروت التي تسكن القلوب؛ بيروت الأم، وبيروت الحبيبة، وبيروت الوطن. فجاء «وشاح بيروت» تحية وفاء لمدينة صنعت الكثير من ذاكرة اللبنانيين، وعلامة مضيئة في مسيرة شاعر اختار أن ينسج من الحروف وشاحًا يليق بعروس المتوسط.
كل التحية للأخ العزيز والصديق الشاعر الدكتور مازن جبري على هذا الأثر الأدبي الذي يؤكد أن المدن العظيمة تحفظها القلوب التي تحبها، وأن بيروت ستبقى حاضرة ما دام هناك من يمنحها من الشعر ما تستحقه من جمال ووفاء.



