الحرب لا تختار ضحاياها: من يخسر أكثر… الموظف أم صاحب العمل؟ كتبت عبير درويش

حين تشتعل الجبهات وتنكمش الأسواق: الحرب التي تُفقر الجميععندما تندلع الحروب، تنصرف الأنظار عادة إلى الخسائر البشرية والدمار المادي، لكن هناك حرباً أخرى تدور بصمت داخل المؤسسات والأسواق والمنازل. إنها الحرب الاقتصادية والاجتماعية التي تطال الجميع دون استثناء، من الموظف الذي يخشى على راتبه، إلى صاحب العمل الذي يكافح للحفاظ على مؤسسته واستمراريتها.

فالحرب لا تميّز بين موظف وصاحب شركة، ولا بين تاجر وعامل. صحيح أن حجم الخسائر يختلف من فئة إلى أخرى، إلا أن الدراسات الاقتصادية تؤكد أن الجميع يدفع الثمن، وإن بأشكال متفاوتة.اقتصاد الحرب: الخسارة الجماعية.

تؤكد الأدبيات الاقتصادية أن النزاعات المسلحة تؤدي إلى إعادة ترتيب الأولويات الاقتصادية والاجتماعية بصورة جذرية. فالإنفاق الاستهلاكي يتراجع، والاستثمارات تتباطأ، وتزداد المخاطر المرتبطة بالإنتاج والتوظيف، فيما تتعرض المؤسسات لضغوط متزايدة تهدد قدرتها على الاستمرار.

وفي لبنان، أظهرت دراسة صادرة عن منظمة العمل الدولية حول تداعيات الحرب على القطاع الخاص أن المؤسسات والعاملين واجهوا تحديات غير مسبوقة تمثلت في تراجع المداخيل، وتعطل الأعمال، وارتفاع احتمالات فقدان الوظائف، ما انعكس مباشرة على دورة الاقتصاد المحلي.

ويرى خبراء اقتصاديون أن أخطر ما تفعله الحروب ليس فقط تدمير البنية التحتية، بل ضرب الثقة الاقتصادية، وهي العنصر الأساسي لأي عملية إنتاج أو استثمار أو استهلاك.

ويُشير خبراء الاقتصاد في لبنان إلى أنه “عندما تسود حالة عدم اليقين، تتراجع قرارات الاستثمار والتوظيف والإنفاق معاً. وهنا تبدأ الخسائر بالتوسع لتشمل كل مكونات الاقتصاد، من المؤسسات الكبرى إلى أصحاب الأعمال الصغيرة والموظفين”.

الموظف: الحلقة الأكثر هشاشة

غالباً ما يبدو الموظف الطرف الأضعف خلال الأزمات والحروب، خصوصاً عندما يعتمد دخله بشكل كامل على راتب شهري ثابت.

فالانكماش الاقتصادي يؤدي إلى تجميد الرواتب أو خفضها أحياناً، كما ترتفع مخاطر الصرف من العمل نتيجة تراجع النشاط الاقتصادي. وفي الوقت نفسه، ترتفع كلفة المعيشة وتتراجع القدرة الشرائية، ما يضع الأسر أمام ضغوط معيشية متزايدة.

وتشير أبحاث متخصصة في علم النفس المهني إلى أن العاملين خلال فترات النزاعات يعانون مستويات مرتفعة من القلق المرتبط بالأمن الوظيفي، والخوف من فقدان مصادر الدخل، وعدم القدرة على التخطيط للمستقبل.

كما أظهرت دراسات أكاديمية لبنانية أن التعرض المستمر للأخبار المرتبطة بالحروب والأزمات يؤدي إلى ارتفاع مستويات التوتر والإرهاق النفسي لدى العاملين، ما ينعكس سلباً على الإنتاجية والتركيز والأداء المهني.

ويقول سامي، وهو موظف في إحدى شركات النقل في لبنان: “أصبح الهم الأساسي هو الحفاظ على الوظيفة. حتى لو تراجعت القدرة الشرائية للراتب، يبقى العمل مصدر الأمان الوحيد في ظل الظروف الحالية”.

صاحب العمل: معركة البقاء

في المقابل، تبدو صورة صاحب العمل أكثر تعقيداً مما يعتقد كثيرون. فبينما ينظر البعض إلى أصحاب المؤسسات باعتبارهم الفئة الأكثر قدرة على التحمل، تؤكد الدراسات الاقتصادية أن المؤسسات، ولا سيما الصغيرة والمتوسطة، غالباً ما تكون الأكثر عرضة للانهيار خلال النزاعات.

فصاحب العمل لا يتحمل فقط انخفاض الإيرادات، بل يواجه في الوقت نفسه أعباء الإيجارات والرواتب والديون وكلفة التشغيل وسلاسل التوريد والتزامات الموردين والمصارف.

وأشارت دراسة منشورة في مجلة متخصصة بالتنمية الاقتصادية إلى أن التعرض للنزاعات المسلحة يؤدي إلى تراجع المبيعات والإنتاج وتعطّل سلاسل الإمداد، مع تأثيرات أكثر حدة على المؤسسات الصغيرة والمتوسطة التي تمتلك هوامش أمان مالية محدودة.

ويقول أبو أحمد، صاحب متجر تجاري صغير: “قبل الأزمات كنت أخطط للتوسع. أما اليوم فأفكر يومياً بكيفية الاستمرار. أي تراجع في الحركة أو أي تصعيد أمني ينعكس مباشرة على قدرتي على دفع الرواتب وتسديد الالتزامات”.

من يخسر أكثر؟

اقتصادياً، يصعب تحديد فئة واحدة باعتبارها الخاسر الأكبر. فالخبراء يميزون بين نوعين من الخسائر: الخسائر الرأسمالية والخسائر المعيشية.صاحب العمل يتحمل غالباً الخسائر الرأسمالية المباشرة المرتبطة بالمؤسسة والاستثمارات والأصول والديون والاستمرارية التشغيلية. أما الموظف فيتحمل الخسائر المعيشية والاجتماعية المرتبطة بالأمن الوظيفي والاستقرار الأسري ومستوى المعيشة.

ويشرح الباحثون الاقتصاديون في الشأن اللبناني أن “صاحب العمل يخشى خسارة ما بناه خلال سنوات طويلة، بينما يخشى الموظف فقدان مصدر دخله الوحيد. الخوف موجود لدى الطرفين، لكن بأشكال مختلفة”.

الحرب تغيّر الخريطة الاجتماعية

إلى جانب الخسائر الاقتصادية المباشرة، تؤدي الحروب إلى تحولات اجتماعية عميقة. فقد يفقد أفراد ومؤسسات مواقعهم الاقتصادية خلال فترة قصيرة، فيما تظهر فرص جديدة لقطاعات أخرى.

وتتبدل أنماط الاستهلاك والعمل والاستثمار، ما يؤدي إلى إعادة رسم الخريطة الاجتماعية والاقتصادية للمجتمع. ويؤكد علماء الاجتماع أن الحروب لا تنتج فقط خاسرين وفائزين اقتصادياً، بل تخلق حالة عامة من عدم اليقين تجعل جميع الفئات تعيش تحت ضغط مستمر، بغض النظر عن مستوى دخلها أو موقعها المهني.

لا أحد يخرج سالماً

في نهاية المطاف، قد تختلف طبيعة الخسائر بين الموظف وصاحب العمل، لكن النتيجة واحدة: الحرب تستنزف الجميع. فالموظف يخشى على دخله واستقراره، وصاحب العمل يخشى على مؤسسته واستثماراته، والاقتصاد يخسر جزءاً من قدرته على النمو والتعافي.

لذلك يرى الخبراء أن السؤال الصحيح ليس: من يخسر أكثر؟ بل كيف يمكن تقليص الخسائر الجماعية وحماية دورة الإنتاج والعمل في أوقات الأزمات.فالحروب لا تترك أحداً خارج دائرة التأثير، وقد تختلف الأوجاع بين الأفراد والمؤسسات، لكنها تلتقي عند حقيقة اقتصادية واحدة: لا أحد يخرج سالماً من الحرب، والاقتصاد بأكمله يدفع الثمن.

شارك هذا المقال :
WhatsApp
Facebook
X
LinkedIn