انعكاسات العدوان على نساء لبنان-التأثيرات النفسية. بقلم د. احمد عيّاش

.

​ربما يظن المرء ان انعكاسات الحرب النفسية عند النساء واحدة ومتشابهة ومتوازية وهذا خطأ شائع فانعكاسات الحرب النفسية لا تكون في حدّتها وتفاصيلها الا على علاقة بالحصانة والمناعة النفسية اوّلا وثانيا وفق الخيارات الاقتصادية والاجتماعية والظرفية المتاحة وثالثاً وفق الشرائح العُمرية فالطفلة الصغيرة غير الطفلة الكبيرة غير المراهقات غير الراشدات غير المسنّات واننا اذ حاولنا حصر المحاور في عشرة فذلك لا يعني انّ المحاور مقفلة بل قابلة للتوسع والاضافات.
لذلك سنحصر كلامنا عن الصبايا والنساء الراشدات .


و كلمحة عامة ومن خلال آلية التجربة العيادية-السريرية وكقراءة وصفية-تحليلية من خلال المتابعة والبحث نقدّم لكم نتائجنا:
في” زمن السلم” في لبنان ، تعاني عادة نسبة كبيرة من النساء اللبنانيات وحتى غير اللبنانيات من القلق المزمن وفي الحرب يتحوّل عادة كلّ مزمن إلى حادّ والقلق الحادّ يظهر دائماً في الكلام والسلوك وكأنّ النفس مستنفرة دائما وعلى أهبّة التحدّي و الاستعداد للإنفجار والتقاتل ولو شبّه لها و كتبرير للذات انّها في حالة دفاع دائم ومرهق.


عادة شريحة واسعة من اللبنانيات يسكنهن الحزن ولو بأشكال مقنّّعة نتيجة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية السيئة وهذا الحزن تحوّله الحرب المتسببة بنزوح جَماعي إلى اكتئاب هَياجي agitated depression والذي يظهر بتململ حركي، هزّ الساقين وعدم قدرة على الجلوس والاستقرار مع فرك اليدين و أحيانا مع تمتمة وسرعة إنفعال ونفاذ الصبر والغضب السريع لأمور بسيطة كمحاولة أخيرة لتفريغ شحنات التوتر الداخلي، والطريف هنا انّهن لا ينتبهن انّهن لا يتحدثنَ بل يصرخنَ والكلام بنبرة عالية واحد من أسباب توتر العلاقات مع الآخرين لشبهة الإستفزاز .


معظم النساء عانتن وما زلن من شعور خطر قريب وليس أي خطر بل خطر الموت الصاعق كما أن معظمهن اشتكين من انزعاج الآخرين من وجودهنّ الطارئ في حياتهم ولو من دون دليل في بعض الأحيان نتيجة التحسس المفرط انهن عبء لغيرهنّ وبسبب الشرح الخاطئ للأمور نتيجة التوتر النفسي-العصبي المتصاعد نتيجة تتالي الأخبار العسكرية-السياسية-الاجتماعية السيئة وانعدام الحلول السلمية.


كما أنّ لتغيّر المكان وتغيّر السرير وتغيّر العادات اليومية أثره القوي في التسبب بإضطراب النوم كالارق والكابوس اللذان بدورهما يعمّقان التوتر والقلق ليجعلاه قلقاً مفرطاً عارماً قادراً بأي لحظة ان يتحوّل لنوبة هلع او نوبة بكاء شبه هستيري وذلك مع انخفاض مستوى الدعم العاطفي الذي يبدو غالبا للرجال وللنساء في زمن الخطر ليس في وقته ومكانه ليس في الأولويات.


من المهم الانتباه ان العائلة النازحة ينزح معها توترها الطبيعي الخاص بها وتستقبلها عائلة أخرى تعيش ايضا ازماتها الخاصة والطبيعية وغالباً توتر العائلات مختلف ولو تشابهت الهموم وهذا ما يتسبب وقد تسبب بسوء التفاهم و إضطراب العلاقات العائلية ما أدّى لنفور واحياناً لصدام اي لتوتر نفسي إضافي على التوتر الخاص في ازمنة الحرب.
إن كان من عنوان موازٍ يختصر قراءتنا الوصفية-التحليلية فبالتأكيد هو المفارقة التالية:
“المرأة الخائفة و المرعوبة والنازحة والهاربة من خطر وجودي في الحرب من واجبها أن تحمي و ان تسعى لتأمين الماء والطعام ونظافة الثياب والمكان وأن تنشر الطمأنينة وان تبتسم لتنجو ولينجو من معها بسلام”

اختصرنا قراءتنا بمحاور عشرة:

​1- النساء اللواتي يعانين من أمراض مزمنة منذ ما قبل الحرب:
مضاعفة المعاناة النفسية والجسدية نتيجة تعقد عمليات الإخلاء والتنقل (خاصة للواتي يعانين من إعاقات حركية أو عقلية)، مع صعوبة الحصول على الرعاية الطبية والأدوية المستمرة، وارتفاع منسوب الخطر الحاد أثناء الأزمات، إضافة للنساء الحوامل بقلق مضاعف على أجنتهنّ وقلق أمهات الاطفال الرضّع، ازمة تأمين الادوية الضرورية للصحة والتي لا تحتمل التأجيل .

​2- النازحات المكلومات:
صدمة الفقدان المفاجئ للمنزل والأمان، وعبء الاقتلاع القسري والتهجير، معاناة تغيّر الطقوس اليومية وغياب الوعود بإستقرار قريب.

​3- النساء الصامدات في بيوتهن تحت النار:
مواجهة الخطر اليومي المباشر (يختلف عن مواجهة الخطر الشبه بعيد)، تحديات البقاء والصمود في مناطق الاستهداف مع صعوبات تأمين المواد الغذائية وشروط العيش الأوّلية.

​4- النساء العاملات في الخطوط الأمامية:
الضغط النفسي والاحتراق المهني للطبيبات، الممرضات، المُسعفات، والإعلاميات، قلق تقديم الخدمات المناسبة للجرحى والحالات الطارئة وتكرار مشاهد الجثث المشوّهة والمحترقة وما لذلك من أثر عميق توتر الذاكرة .

​5- النساء المستَضيفات:
أعباء مشاركة المساحة الشخصية والتي عادة ما تكون ضيّقة، الإنهاك النفسي والمادي الناتج عن الاستجابة الإنسانية الملزمة للأزمة (دون ان ننسى ان العائلات كلها تعيش ازماتها الخاصة وعلاقاتها المتوترة فيما بينها )

​6- نساء الفقد المكتوم والمصير المجهول:
قمع المشاعر الذاتية وتأجيل الانهيار عبر التجبّر لحماية الأسرة (عدم نشر القلق للآخرين: الحذر عند البكاء كي لا يُخفن اصحاب البيوت من انتماءاتهن او انتماءات الابناء الحزبية فيضطرّن للمغادرة كي لا نقول للطرد ولو طرداً مهذّباً رغم الأجار المرتفع غير العادي)، مكابدة الألم النفسي بما خصّ مفقودي الأثر الذين لم يُحسم مصيرهم (الحزن الغامض).

​7- النساء في مراكز الإيواء (صراع الطقوس والخصوصية):
فقدان المساحة الشخصية والتبدّل القسري الحاد في نمط الحياة والعادات اليومية(توزيع ارقام للاستحمام)، أمّهات مفقودي الأثر وامهات الشهداء و عبء ممارسة حتى الطقوس الدينية براحة.
الأم الخائفة على مصيرها من واجبها ايضاً ان تحمي اطفالها و إخوتها.

​8- النساء والفجوة الطبقية :
تباين القدرة النفسية والمادية على مواجهة الصدمات والاستجابة لها بناءً على الإمكانيات المتاحة(اللجوء الى فندق وما شابهه يختلف عن اللجوء الى مدرسة او إلى رصيف او إلى شاطئ او الى نادي حسيني).

​9- المغتربات والمغيّبات قسراً:
القلق المزمن عن بُعد، وشعور العجز أو الذنب المترتب على البعد الجغرافي أثناء الأزمة(متابعة الاخبار بدقة تفوق اللبنانيين في لبنان عبر اجهزة التلفاز ومجموعات التواصل الاجتماعي وتكرار الاتصالات الهاتفية).

​10- النساء اللامباليات (انتكاسة الرفاهية والإنكار):
التعبير عن الانزعاج من تأثر أسلوب الحياة والشغف الخاص كآلية نفسية دفاعية للانفصال (الانكار) أو نتيجة التباعد والشرخ الطبقي والاجتماعي ومن ناحيةأخرى هناك من عبّرن حتى عن شماته وازدراء وانتقام كثأر سياسي او طائفي او حتى عن كراهية غير مبرّرة .

وللكلام تتمة وتعديلات وإضافات لا تنتهي أوّلها انّ للاكتئاب والقلق الجَمعي إرتدادات على الشخصية الجَماعية والفردية وحتى على البعيدين او مَن يظنّون أنفسهم بعيدين وغير مَعنيّين بأجواء الحرب ما يعني ان تراكم تاثيرات الحروب المتتالية والمتسارعة تتسبب بتعمّق ما يُعرف بإضطراب ضغوط ما بعد صدمات االحرب PTSD(احتدام العُصاب الجمعي) وما لهذا من تأثيرات جوهرية على تربية الأطفال وتوتر الذكريات أي على الأجيال التالية أي كصدمات حرب نفسية منتقلة وعابرة للأجيال ولو بالتواتر ولو بالحكايا:
الصدمات النفسية العابرة في الوقت وبين الأجيال.
ليس امراً سهلاً لمن يشعر بالخطر على نفسه أن ينشر الأمان لمن حوله في لحظة قصف وانفجار ومجزرة وصراخ وعويل.

واخيراً:
وبعد فشل الرجال في قيادة هذا العالم المسكين إلى الأمان والازدهار والتقدم والمساواة والسلام لا يسعن إلّا ان نطلق نداء:
“يا نساء العالم اتحدن” لعلكن تنجحن، ستنجحن حتماً .
لكنّ المجد في أزمنة الحرب والسلم.
#​د_احمد_عياش_طبيب_نفسي.

شارك هذا المقال :
WhatsApp
Facebook
X
LinkedIn

Your Next Chapter Starts Here

I'll help you unlock new opportunities and turn your passion into progress
آخر الإضافات

النشرة البريدية

بريدي من بيروت
اشترك لتصلك رسائل فكرية وأدبية من قلب المدينة.