العام الدراسي لم يبدأ… لكن الفاتورة بدأت

لم يبدأ العام الدراسي بعد، لكن فاتورته بدأت تصل إلى بيوت اللبنانيين. قسط مدرسي، كتب، قرطاسية، لباس مدرسي، نقل، أنشطة، تأمين، وأعباء أخرى قد تبدو منفصلة، لكنها عندما تجتمع تتحول إلى فاتورة سنوية ثقيلة، لا تستطيع كثير من الأسر اللبنانية تحملها بسهولة.
وفي بلد يعيش منذ سنوات على وقع الانهيار الاقتصادي والاجتماعي، ثم جاءت الحرب الإسرائيلية الأخيرة لتضيف أعباء جديدة إلى أعباء قائمة أصلاً، لم تعد العودة إلى المدرسة مجرد محطة تربوية في حياة الطفل، بل أصبحت بالنسبة إلى كثير من العائلات معركة مالية واجتماعية حقيقية.
فالأب يبحث عن كيفية تأمين القسط، والأم تحاول تخفيض كلفة الكتب والقرطاسية، والعائلة بأكملها تعيد ترتيب أولوياتها لتتمكن من تأمين المستلزمات الأساسية لأطفالها.
ومع وجود طفلين أو ثلاثة في المدرسة، تصبح المسألة أكثر صعوبة، إذ لا تعود الأسرة أمام مصروف إضافي محدود، بل أمام ميزانية مدرسية كاملة قد تستنزف جزءاً كبيراً من دخلها السنوي.
وهنا السؤال الذي يجب أن يطرح نفسه بوضوح: من يحمي الأسرة اللبنانية من أن تتحول كلفة التعليم إلى سبب لحرمان أطفالها من حقهم في التعلم؟
الأزمة لم تعد أزمة أقساط فقط
الخطأ في مقاربة هذا الملف هو اختزال المشكلة في قيمة القسط المدرسي وحده. فالكلفة الحقيقية للتعليم تشمل كل ما يدفعه الأهل منذ لحظة تسجيل الطفل وحتى نهاية العام الدراسي. القسط هو جزء من الصورة، أما الصورة الكاملة فتشمل الكتب والقرطاسية والنقل واللباس والأنشطة والمستلزمات الرقمية وسواها.
ولهذا، فإن أي رقابة جدية يجب ألا تسأل فقط: كم هو القسط؟ بل يجب أن تسأل: كم تبلغ الكلفة الفعلية السنوية لتعليم الطالب؟ وهذا فارق جوهري.فقد تكون الزيادة في القسط محدودة، لكن ارتفاع كلفة النقل والكتب والقرطاسية والأنشطة يجعل الكلفة النهائية أعلى بكثير من قدرة الأسرة.
وفي ظل تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف الحياة، أصبحت العائلات اللبنانية أمام معادلة صعبة: الغذاء، السكن، الطبابة، النقل، الكهرباء، ثم التعليم. والمشكلة أن التعليم ليس من المصاريف التي يستطيع الأهل ببساطة إلغاءها.
وزارة التربية أمام مسؤولية وطنية
هنا يأتي دور وزارة التربية والتعليم العالي. فالوزارة ليست مجرد إدارة رسمية تنظم مواعيد الدراسة والامتحانات والمناهج. إنها السلطة التربوية التي يفترض أن تضمن انتظام العملية التعليمية وتحمي الإطار القانوني الذي يحكم العلاقة بين المؤسسات التعليمية والأسر.
وفي التعليم الخاص، يصبح الدور الرقابي للوزارة أكثر أهمية في ظل تطبيق القانون 515/96 الذي ينظم الموازنات المدرسية وآلية تحديد الأقساط في المدارس الخاصة غير المجانية.
لكن السؤال ليس: هل توجد قوانين؟ السؤال الحقيقي هو:هل تتمتع هذه القوانين بآليات تطبيق ورقابة كافية وفعالة؟ الأهل بحاجة إلى أكثر من تعميم. هم بحاجة إلى جهة يستطيعون اللجوء إليها عندما يشعرون بأن هناك رسوماً غير واضحة أو زيادات غير مبررة أو أعباء مالية لم تكن محسوبة عند تسجيل أولادهم.
والرقابة المطلوبة لا تعني التدخل في الإدارة التربوية للمدارس، ولا تعني تجاهل كلفة تشغيل المؤسسات التعليمية، بل تعني ضمان التوازن بين حق المدرسة في الاستمرار وحق الأسرة في معرفة ما تدفعه.
فالمدرسة الخاصة مؤسسة تربوية لها كلفة حقيقية، ولكن الأسرة أيضاً مؤسسة اجتماعية لها قدرة مالية محدودة. ولا يجوز أن تتحمل جهة واحدة كامل كلفة الأزمة.
المدرسة الخاصة: حق الاستمرار يقابله واجب الشفافية
من الإنصاف الاعتراف بأن المدارس الخاصة تواجه بدورها تحديات كبيرة. فهي تدفع رواتب وأجوراً، وتتحمل تكاليف صيانة وتشغيل وطاقة وتجهيزات وتكنولوجيا، وتواجه ارتفاعاً كبيراً في أسعار الخدمات والمواد. كما أن الحفاظ على جودة التعليم يحتاج إلى استثمار مستمر في المعلمين والبنية التحتية والمناهج والتقنيات.
لذلك، فإن الدعوة إلى ضبط الأقساط لا تعني المطالبة بتجميدها بصورة غير واقعية. لكن في المقابل، فإن ارتفاع الكلفة لا يمكن أن يتحول إلى مبرر لفرض أعباء غير مفهومة على الأهل.
الشفافية يجب أن تكون قاعدة.من حق الأهل معرفة بنود الموازنة التي تنعكس على القسط، ومن حقهم معرفة الخدمات التي يدفعون ثمنها، وما إذا كانت بعض الرسوم إلزامية أو اختيارية، وما هي الكلفة المتوقعة للعام الدراسي بأكمله.
فالشفافية لا تضر المدرسة الجيدة. على العكس، إنها تعزز الثقة بينها وبين أهل الطلاب.
لجان الأهل: أين دورها؟
أما لجان الأهل، فهي ليست تفصيلاً إدارياً هامشياً. إنها تمثل صوت الأسر داخل المدرسة، ولها دور أساسي في مناقشة القضايا المالية والتربوية التي تمس حياة الطلاب. لكن هذا الدور يحتاج إلى تفعيل حقيقي. فلا يجوز أن تتحول لجنة الأهل إلى جهة توقع على قرارات جاهزة، كما لا يجوز أن تتحول إلى طرف مواجهة دائم مع الإدارة.
المطلوب هو شراكة قائمة على المعرفة والشفافية. على اللجنة أن تطلب الأرقام، وأن تناقش الموازنة، وأن تسأل عن أسباب الزيادات، وأن تميّز بين الضروري والكمالي، وأن تنقل إلى الإدارة واقع الأسر وقدرتها الفعلية على الدفع.
وفي المقابل، على إدارات المدارس أن تنظر إلى لجان الأهل باعتبارها شريكاً في العملية التربوية، لا خصماً. وعلى وزارة التربية أن تدعم هذا الدور عبر أطر واضحة تمنع الخلافات من التحول إلى نزاعات شخصية، وتعيد النقاش إلى القانون والمؤسسات.
التعليم الرسمي: خط الدفاع الأول
لكن لا يمكن معالجة أزمة الأقساط من دون الحديث عن التعليم الرسمي. فإذا كان التعليم الخاص يزداد كلفة، فإن التعليم الرسمي يجب أن يكون قادراً على تقديم بديل تربوي حقيقي وذي جودة. وهذا يتطلب من الدولة الاستثمار في المدرسة الرسمية، لا التعامل معها كخيار للفئات الأكثر فقراً فقط.
المدرسة الرسمية يجب أن تكون مدرسة يختارها المواطن لأنه يثق بجودة التعليم فيها، وليس لأنه عاجز عن دفع القسط الخاص. وهنا تقع مسؤولية مباشرة على الحكومة ووزارة التربية في تأمين المدارس الرسمية، دعم المعلمين، تطوير البنية التحتية، تعزيز التعليم الرقمي، وتحسين البيئة التعليمية.
كل ليرة تستثمر في التعليم الرسمي هي في الواقع استثمار في تخفيف العبء عن الأسرة اللبنانية وفي حماية حق الطفل في التعليم.
الحرب الإسرائيلية زادت الأزمة تعقيداً
ولا يمكن الحديث عن العام الدراسي الجديد وكأن لبنان يعيش ظروفاً طبيعية. الحرب الإسرائيلية على لبنان لم تترك آثاراً أمنية وعسكرية فقط، بل خلّفت تداعيات اقتصادية واجتماعية وتربوية عميقة. مدارس تضررت، عائلات نزحت، أطفال عاشوا ظروفاً من الخوف وعدم الاستقرار، ومؤسسات تعليمية اضطرت إلى التوقف أو العمل في ظروف استثنائية. وفي تقييم وطني أجرته وزارة التربية في حزيران 2026 بدعم تقني من اليونيسف، تبيّن أن 340 مدرسة رسمية وخاصة ومهنية تعرضت للضرر، بينها 17 مدرسة دُمّرت بالكامل، فيما أصبح ما لا يقل عن 100 ألف طفل معرضين لخطر عدم العودة إلى مدارسهم إذا لم تتم أعمال الترميم والتأهيل بصورة عاجلة. وهذا الرقم وحده يكفي للدلالة على حجم التحدي. فكيف يمكن أن نطلب من أسرة فقدت منزلها أو مصدر رزقها أو جزءاً من دخلها أن تتحمل الزيادات نفسها التي كانت تتحملها قبل الحرب؟ هنا تصبح العدالة التربوية ضرورة.والدولة مطالبة بأن تضع الأسر الأكثر تضرراً ضمن أولوياتها، وأن تبحث عن برامج دعم ومساعدات مدرسية ونقل وكتب وقرطاسية للأطفال الذين تضرروا بصورة مباشرة أو غير مباشرة من الحرب.
الحكومة مطالبة بخطة لا برد فعل موسمي
المشكلة الأساسية في لبنان أن ملف الأقساط يعود إلى الواجهة كل عام، مع اقتراب شهر أيلول.تعلو الأصوات، تعقد الاجتماعات، تصدر البيانات، تدخل لجان الأهل على الخط، ثم يبدأ العام الدراسي.وبعد أشهر، يعود كل شيء من جديد.هذا الأسلوب لم يعد كافياً.
لبنان يحتاج إلى خطة وطنية متكاملة لكلفة التعليم، لا إلى معالجة موسمية. خطة تحدد بوضوح:
كيفية ضبط الموازنات المدرسية.
آليات احتساب الزيادات.الكلفة الفعلية السنوية للطالب.
حقوق الأهل وواجباتهم.صلاحيات لجان الأهل.
آليات الاعتراض والشكاوى.
دور وزارة التربية في الرقابة.
دعم التعليم الرسمي.
مساعدة الأسر الأكثر فقراً وتضرراً.
إعادة تأهيل المدارس المتضررة من الحرب.
حماية المعلمين وتحسين ظروفهم المهنية والاجتماعية.
والأهم أن تكون هذه الخطة قائمة على أرقام حقيقية ودراسات اقتصادية وتربوية، لا على ردود فعل مرتبطة بالموسم الدراسي.
المطلوب من وزارة التربية الآنوزارة التربية أمام مسؤولية واضحة.المطلوب منها أن تنتقل من رد الفعل إلى المبادرة. أن تعلن للأهل بوضوح حقوقهم.
أن تعزز دور مصلحة التعليم الخاص.
أن تراقب تطبيق القانون 515.أن تفرض الشفافية في الموازنات المدرسية ضمن حدود صلاحياتها القانونية.
أن تمنع أي رسوم غير واضحة أو غير مستندة إلى أساس قانوني.
أن تضع آلية سهلة وفعالة لتلقي شكاوى الأهل ومتابعتها.
وفي الوقت نفسه، أن تقف إلى جانب المدارس التي تعاني فعلياً من أعباء مالية حقيقية، لأن انهيار المدرسة الخاصة أو الرسمية ليس مصلحة للأهل ولا للطلاب ولا للمعلمين.
المعادلة ليست: الأهل ضد المدرسة. المعادلة الصحيحة هي: الدولة والمدرسة والأهل في مواجهة الأزمة من أجل حماية الطالب. لا يجوز أن يصبح الفقر معياراً للحصول على التعليم.
أخطر ما يمكن أن يحدث في بلد يعاني أزمة اقتصادية واجتماعية هو أن يصبح المال معياراً للوصول إلى التعليم الجيد.الطفل لا يتحمل مسؤولية انهيار الاقتصاد. ولا يتحمل مسؤولية الحرب. ولا يتحمل مسؤولية تراجع دخل أسرته. ولا يجوز أن تكون النتيجة أن طفل أسرة ميسورة يحصل على تعليم مستقر، فيما يضطر طفل آخر إلى ترك المدرسة أو الانتقال القسري أو تقليص احتياجاته التعليمية لأن أهله لم يعودوا قادرين على دفع الكلفة.
إن حماية التعليم تعني حماية المجتمع نفسه. فكل طفل يخرج من المدرسة بسبب العجز المالي هو خسارة تربوية واجتماعية واقتصادية للبنان.
كلمة أخيرة إلى وزارة التربية والحكومة
مع اقتراب العام الدراسي، لا يحتاج اللبنانيون إلى بيانات تطمئنهم فقط. يحتاجون إلى إجراءات. يحتاجون إلى وزارة حاضرة، ورقابة فاعلة، ومدارس شفافة، ولجان أهل مسؤولة، ودولة تدعم التعليم الرسمي، وحكومة تدرك أن كلفة التعليم أصبحت جزءاً من الأزمة الاجتماعية التي يعيشها المواطن.
وفي المقابل، تحتاج المدارس إلى بيئة قانونية واقتصادية تسمح لها بالاستمرار، وتحتاج إلى أن يكون الحوار مع الأهل قائماً على الأرقام والشفافية لا على فرض الأمر الواقع.
أما الطفل، فلا يستطيع الانتظار. العام الدراسي على الأبواب، والأهل أمام فاتورة تكبر، والمدارس أمام كلفة تشغيلية متزايدة، والمعلمون أمام تحديات معيشية ومهنية، ولبنان لا يزال يحمل آثار أزمة اقتصادية واجتماعية وحرب تركت ندوباً عميقة في المجتمع.
لهذا، فإن المسؤولية لا تقع على طرف واحد.لكن المسؤولية الأكبر تبقى على الدولة التي يفترض أن تكون الحكم والضامن والحامي. لا يكفي أن نفتح أبواب المدارس. يجب أن نضمن قدرة الأطفال على دخولها والاستمرار فيها.
فالتعليم ليس امتيازاً للأغنى، ولا بنداً ثانوياً في ميزانية الأسرة، ولا سلعة يمكن الاستغناء عنها عند اشتداد الأزمات.التعليم حق. وحماية هذا الحق هي مسؤولية الدولة، والمدرسة، ولجان الأهل، والمجتمع بأسره.
أما أن يكبر القسط كل عام، بينما تكبر معه معاناة الأسرة اللبنانية، فهذه ليست مجرد مشكلة مالية.إنها مسألة عدالة اجتماعية، ومسألة كرامة، ومسألة مستقبل وطن بأكمله.



