مدرسة مشمش الرسمية في قضاء جبيل: ذاكرة تربوية وعمارة تراثية مهددة. بقلم د. خولا الخوري

في بلدة مشمش في قضاء جبيل، يحتفظ مبنى المدرسة الرسمية المختلطة المتوسطة بذاكرة تتجاوز وظيفته التعليمية الحالية، إذ يمثل جزءًا من تاريخ التعليم في المنطقة ومن الذاكرة الاجتماعية والثقافية لأجيال متعاقبة من أبناء البلدة ومحيطها.

وتكمن أهمية هذا المبنى في اجتماع مجموعة من القيم فيه: القيمة التاريخية المرتبطة بتطور التعليم، والقيمة الاجتماعية المرتبطة بذاكرة التلامذة والعائلات، والقيمة المعمارية المرتبطة بتقاليد البناء اللبناني في الجبل.

ترتبط البدايات التاريخية للمدرسة بالإخوة المريميين، الذين كان لهم حضور تربوي مبكر وواسع في لبنان. وقد عاد الإخوة المريميون إلى لبنان بصورة مستقرة منذ سنة 1895، وبدأوا خلال السنوات اللاحقة بتولي عدد من المدارس في مناطق مختلفة، ولا سيما في قضاء جبيل.

وتورد السجلات التاريخية الرسمية للمؤسسة المريمية أن الإخوة تولوا سنة 1903 إدارة مدارس في مشمش في قضاء جبيل، إلى جانب مدارس أخرى في لبنان، وهو ما يثبت حضورهم التربوي المباشر في البلدة في مطلع القرن العشرين.

وتندرج هذه المرحلة ضمن توسع كبير شهدته المؤسسات التعليمية المريمية في لبنان، حيث تولى الإخوة إدارة مدارس في جونية وعشقوت وعَمْشيت وبعبدا وغيرها، ثم افتتحوا لاحقًا مدرسة سيدة لورد في جبيل سنة 1908.

وقد كان هذا الانتشار جزءًا من شبكة تربوية اعتمدت على المدارس المحلية وعلى التعاون مع المؤسسات الدينية والأهلية والمالكين المحليين للمباني.

وفي حالة مشمش، ارتبطت المدرسة في ذاكرتها المحلية بنمط تعليمي لم يكن مقتصرًا على أبناء البلدة، بل استقبل تلامذة من مناطق أخرى، كما ارتبطت بفكرة المدرسة الداخلية والخارجية، بحيث كان بعض التلامذة يقيمون في المدرسة ويأتون إليها من مناطق بعيدة. وهذه الخاصية تعكس أهمية المؤسسات التعليمية في الجبل اللبناني خلال مرحلة كان فيها الوصول إلى التعليم المتخصص أكثر محدودية، وكانت المدرسة تؤدي في الوقت نفسه وظيفة تربوية واجتماعية تتجاوز التعليم الصفي.

وفي سنة 1930، أنشأ خيرالله نون وقف مار يوسف، فدخل المبنى في مرحلة جديدة من تاريخه المؤسسي، وأصبح الوقف جزءًا أساسيًا من تاريخ الملكية والاستمرارية المرتبطين بالمدرسة. ويكشف وجود الوقف في هذه المرحلة عن الدور الذي لعبته الأوقاف المحلية في تأمين استمرارية المؤسسات التعليمية والحفاظ على العقارات المرتبطة بها.

ومع تطور الدولة اللبنانية واتساع نطاق التعليم الرسمي، انتقلت المدرسة إلى مرحلة جديدة من تاريخها. ففي سنة 1952، وضع إدوار نون المدرسة بتصرف وزارة التربية، واستمر هذا الوضع حتى سنة 1965، ثم أصبحت الوزارة تستأجر المبنى من الوقف. وتشير المعطيات التاريخية إلى أن المدرسة كانت قد عرفت في مراحلها السابقة تطورًا من التعليم الابتدائي إلى التعليم التكميلي، وأنها استقبلت تلامذة من مشمش والبلدات والمناطق المحيطة.

وهكذا أصبح مبنى المدرسة شاهدًا على أكثر من مرحلة من تاريخ التعليم اللبناني: مرحلة التعليم المريمي، ومرحلة الوقف، ثم مرحلة التعليم الرسمي. وهذه الطبقات التاريخية المتراكمة تمنح المبنى قيمة لا يمكن اختزالها في وظيفته الراهنة.

ولا تقتصر أهمية المدرسة على تاريخها التربوي، إذ إن مبناها نفسه يحمل خصائص معمارية تستحق التوثيق والدراسة. فالعناصر التي يتكوّن منها، ولا سيما الحجر المحلي، والقناطر الحجرية، والأسقف المكسوة بالقرميد، تنتمي إلى تقاليد البناء التي ميزت جزءًا مهمًا من العمارة اللبنانية الجبلية.

وقد ارتبطت العمارة اللبنانية في القرن التاسع عشر باستخدام الحجر المحلي وبالأسقف القرميدية وبالتكوينات ذات الأقواس والأروقة، مع تطور واضح في العلاقة بين تقاليد البناء المحلية وبعض التأثيرات المتوسطية والأوروبية.

وتشير الدراسات المعمارية إلى أن نمط البيت اللبناني المعروف بتكوينه المركزي وتعدد أقواسه وأسقفه القرميدية تبلور بصورة واضحة خلال القرن التاسع عشر، مع اختلافات محلية وتطورات مستمرة في الشكل والوظيفة.

وتكتسب هذه العناصر أهمية أكبر عندما تكون مجتمعة في مبنى ذي وظيفة تربوية تاريخية، لأن العمارة هنا لا تمثل مجرد أسلوب بناء، بل ترتبط بالوظيفة الاجتماعية للمكان.

فالمبنى المدرسي التاريخي يشكل جزءًا من المشهد العمراني للبلدة، ويحمل في مادته المعمارية آثارًا من التقنيات والمواد وأساليب البناء التي كانت متداولة في البيئة المحلية.

ولهذا فإن أي دراسة علمية لمبنى مدرسة مشمش ينبغي أن تبدأ بمسح معماري دقيق يوثق المخطط والواجهات والمواد الإنشائية، وأنظمة الأسقف، والقناطر، والفتحات، والأبواب والنوافذ، وأي إضافات أو تعديلات طرأت على المبنى عبر الزمن.

كما ينبغي مقارنة العناصر الأصلية بالعناصر اللاحقة من أجل تحديد الطبقات الزمنية للمبنى، وهو أمر أساسي في أي عملية ترميم أو إعادة استخدام مستقبلية.

إلى جانب العمارة، تحمل المدرسة قيمة اجتماعية لا تقل أهمية. فقد ارتبطت بها ذاكرة أجيال من التلامذة والمعلمين والعائلات، وأصبحت جزءًا من الحياة اليومية للبلدة. وفي مثل هذه المباني، لا تكون الذاكرة موجودة في الوثائق وحدها، بل في المكان نفسه: في الصفوف، والممرات، والساحة، والجدران، وفي الروايات التي يحملها أبناء البلدة عن سنوات الدراسة والحياة المدرسية.

ومن هنا تبرز أهمية مفهوم القيمة التراثية المتعددة. فالمبنى قد يكون ذا قيمة تاريخية بسبب عمره، ومعمارية بسبب خصائصه، واجتماعية بسبب ذاكرة المجتمع المرتبطة به، وتربوية بسبب الوظيفة التي أداها عبر عقود. واجتماع هذه القيم يجعل التعامل معه أكثر تعقيدًا من التعامل مع مبنى عادي فقد وظيفته.

إن انتهاء الوظيفة الأصلية لمبنى تاريخي لا يعني انتهاء قيمته. وقد أصبحت إعادة الاستخدام التكيفي Adaptive Reuse من أهم الأدوات المعاصرة في الحفاظ على التراث المبني، لأنها تسمح بإعطاء المبنى وظيفة جديدة مع الحفاظ على أكبر قدر ممكن من عناصره التاريخية والمعمارية. وتؤكد الأدبيات المتخصصة في الحفاظ على التراث أن المباني التي تفقد وظيفتها الأصلية يمكن إنقاذها من الإهمال والهدم عبر إعادة استخدامها بطريقة تحترم قيمتها المادية وغير المادية.

إن مدرسة مشمش تمثل حالة نموذجية لمبنى يمكن أن تتحول خسارة وظيفته الأصلية إلى فرصة لحمايته وإعادة إحيائه. فالهدف من الحفاظ على التراث ليس إبقاء المبنى جامدًا في الماضي، بل ضمان استمراره داخل حياة المجتمع. المبنى التاريخي الذي يحصل على وظيفة جديدة يبقى حيًا، ويمكن صيانته والاستثمار فيه وتعريف الأجيال الجديدة بقيمته.

فالتاريخ المعماري لا يُقرأ من الجدران وحدها، كما أن تاريخ المؤسسة لا يمكن اختزاله في الوثائق الرسمية؛ بل يتشكل من تفاعل الوثيقة والمبنى والذاكرة.وتبرز هنا ضرورة التعامل مع المدرسة بوصفها وثيقة تاريخية قائمة بذاتها.

فالحجر والقناطر والقرميد والتخطيط الداخلي ليست عناصر منفصلة عن تاريخها، بل هي أجزاء من السجل المادي الذي يروي مراحل تطور المؤسسة. وأي تغيير جذري أو هدم للمبنى قبل توثيقه ودراسته يعني فقدان جزء من هذا السجل بصورة لا يمكن تعويضها.

إن حماية مدرسة مشمش لا تعني فقط الحفاظ على مدرسة قديمة، بل الحفاظ على جزء من تاريخ التعليم في قضاء جبيل وعلى نموذج من العمارة المحلية وعلى ذاكرة اجتماعية امتدت عبر أجيال. ومن هنا تصبح إعادة الاستخدام التكيفي خيارًا حضاريًا يحفظ الماضي ويمنح المكان وظيفة في الحاضر، بدل أن يتحول انتهاء الوظيفة الأصلية إلى بداية النهاية.

فالتراث لا يعيش عندما نغلق أبوابه، بل عندما نتمكن من إعطائه حياة جديدة من دون أن نفقد ذاكرته. ومدرسة مشمش، بما تختزنه من تاريخ تربوي ومؤسسي ومعماري واجتماعي، تستحق أن تُدرس وتوثق وتحفظ، وأن تتحول من مبنى مهدد بفقدان وظيفته إلى نموذج يمكن من خلاله إثبات أن الحفاظ على التراث لا يتعارض مع حاجات المجتمع، بل يمكن أن يكون جزءًا من مستقبله.

مراجع 1. Champville – Frères Maristes du Liban, Champagnat et les Frères Maristes – Historique de la présence mariste au Liban. ويورد صراحة تولي الإخوة إدارة مدرسة في «Michmich (Caza de Jbeil)» سنة

1903.2. Frères Maristes – Collège Notre-Dame de Lourdes, Jbeil, Au fil du temps, حول انتشار المدارس المريمية في لبنان وتاريخ المؤسسات المريمية في قضاء جبيل.

3. Jeff El-Msanne, Traditional Lebanese House, Museum With No Frontiers, حول خصائص العمارة اللبنانية في القرن التاسع عشر، ومنها الأسقف القرميدية والارتفاعات والفتحات والعناصر المعمارية المرتبطة بالمناخ والإنارة والتهوية.

4. ICOMOS, Stella Maris Casal, The Adaptive Re-use of Buildings: Remembrance or Oblivion?, 14th ICOMOS General Assembly, 2003.5

. UNESCO World Heritage Centre, Integrated Management Framework – Addendum: Adaptive Reuse of Historical Buildings, حول ضرورة الحفاظ على الوظيفة التاريخية أو اعتماد وظيفة جديدة متوافقة مع طبيعة المبنى وقيمته.

6. UNESCO / World Bank, Lebanon Cultural Heritage and Urban Development Project.

شارك هذا المقال :
WhatsApp
Facebook
X
LinkedIn