اللّغة، منذ بدء الخلق، كانت جسرا للتواصل والاتصال بين إنسان وآخر، ووسيلة يعبّر بها عن مشاعره، أفكاره، وحاجاته. فهي ليست مجرّد كلمات تكتب أو تقال، بل هي وعاء يحفظ ثقافة الشعوب، هويتها، وتاريخها. فهل يستطيع المرء أن يعيش بلا هويّة؟
نشهد اليوم ظاهرة سائدة في الوطن العربي وهي ظاهرة “الازدواجية اللّغوية”، حيثُ تطغى العامية( اللّغة المحكية) على الفصحى. فالعامية لم تكن وليدة العصر الحديث، بل ضربت جذورها في التاريخ العربي منذ العصر الجاهليّ وصدر الإسلام؛ حيث كانت هناك لهجات متعدّدة للقبائل إلى جانب لغة قريش الموحّدة (لغة الشعر ولغة القرآن).
ومع اتساع الفتوحات الإسلامية واختلاط العرب بالشعوب الأخرى، نشأت العاميّة وتطوّرت. لنرى اليوم أنّ معظم الناس يفضّلون التكلّم بالعاميّة بدلا من الفصحى، ومنهم مَن يعتقد أنّه لا يحتاجها إلا في المدرسة أو في الجامعة.
وهنا يطرح السؤال نفسه: لماذا يميلون إلى الحديث بالعاميّة؟ ولماذا يخجلون من الحديث بالفصحى؟ هل لأنّ الناس لا يعرفون الفصحى، أم لأنّ العاميّة أقرب لقلب الإنسان؟
وذلك يعود لعدّة أسباب، أبرزها: أنّ الطفل منذ ولادته يتلقّى اللّغة العامية من عائلته، فتتشكّل حياته قبل أن يعرف ما إذا كانت الكلمة عاميّة أم فصيحة. وحين تدخل الفصحى حياته من بوابة المدرسة، تبدأ قصة القواعد قبل اكتساب اللّغة، فتتحوّل الفصحى إلى مجرّد سؤال في ورقة الامتحان، وخاصةً عندما نقدّم الإعراب على المعنى.
فالإنسان في حياته اليوميّة لا يحتاج إلى استخدام النحو والإعراب، أو التفكير الدائم في صحّة الكلمة إعرابيا، ممّا جعله ينظر إلى الفصحى على أنّها لغة معقّدة لا يستطيع إتقانها إلا المتفوّقون.
إنّ العاميّة ليست عدوة للفصحى، فاللهجات العربيّة جزء من تاريخنا وثقافتنا، لكنّ المشكلة تبدأ عندما يغدو الطّالب عاجزًا عن كتابة فقرة عربية سليمة من الأخطاء الإملائيّة والنحويّة، أوعندما يصل إلى مرحلة يظنّ فيها أنّ الفصحى غير ضروريّة!
كي لا تنفر الأجيال القادمة من الفصحى، يجب ألا نجعلها محصورة في الكتب والمقاعد المدرسية والامتحانات فقط، بل علينا أن نقرّبها من عقولهم وقلوبهم ،ونعلّمهم إيّاها بطريقة ممتعة و حيويّة، كي تتحرّر الصّورة النمطيّة من أذهانهم.
اللّغة العربيّة كشجرة ثابتة، جذعها اللّغة الفصحى، وأغصانها اللّهجات الّتي تعبّر عن تنوّع أهلها. ليس المطلوب أن نقتلع الأغصان، بل أن نعرف متى وكيف نستخدم كلًا منها، مع الحفاظ على لغتنا. فاللّغة لا تموت لمجرّد أنّ النّاس غيروا بضعة ألفاظ، بل عندما يفقد أهلها القدرة على قراءتها، كتابتها، وتعليمها للأجيال القادمة.
ويبقى السؤال : هل ستطغى العاميّة على الفصحى ؟ أم ستسيطر اللغة الأجنبيّة على كلتيهما؟ وهل ستبقى الفصحى لغة رسمية، لغة الدّين، ولغة الخطابات الرّسميّة والإعلام؟ وهل العاميّة ستستمر في حياة الإنسان اليوميّة وعبر المنصات الرقميّة؟ وهل سيتمكّن الإنسان العربيّ من التعايش باستخدام لغتين في لسان واحد؟



