في خطوة تستهدف تطوير العلاقة بين المؤسسات التعليمية ومتطلبات الاقتصاد الرقمي، أطلق الخبير اللبناني الأوروبي في الذكاء الاصطناعي الدكتور بيار جدعون، رئيس جمعية تحديث وتطوير التعليم، بالتعاون مع السيد داني جدعون، المدير العام السابق لوزارة الصناعة، نموذج «المنظومة الذكية التكاملية» (Integrated Intelligent Ecosystem – IIES)، بوصفه إطاراً علمياً وتطبيقياً يجمع بين الحوكمة الريادية والتحول الرقمي وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، ويهدف إلى بناء بيئة متكاملة لريادة الأعمال والابتكار وتطوير الكفاءات.
وجاء الإعلان عن المنظومة خلال المؤتمر الأول للذكاء الاصطناعي في التعليم العالي، الذي نظمته جامعة الروح القدس – الكسليك، حيث قدم الدكتور بيار جدعون، بالتعاون مع منصة Nation.dev، عرضاً تطبيقياً تناول إمكانات توظيف هذا النموذج في تطوير مؤسسات التعليم العالي، وربط برامجها الأكاديمية بالمهارات والكفايات التي تتطلبها أسواق العمل. وركز العرض على ضرورة تحديث الاختصاصات الجامعية بصورة مستمرة، بما يواكب التحولات التكنولوجية ويعزز قدرة الطلاب والخريجين والأساتذة والمؤسسات على التكيف مع المتغيرات المهنية.
وتستند المنظومة إلى ستة مكونات مترابطة تشمل تنمية الكفاءات البشرية وإدارة الرأسمال البشري، وبناء شبكات التعاون والتنسيق بين المؤسسات، وتطوير الشراكات بين الجامعات والجهات الحكومية والقطاع الخاص والمجتمع المدني، إلى جانب توحيد القيادة والتوجيه ضمن رؤية مؤسسية مشتركة. كما تتضمن الحوكمة الريادية والإدارة التنفيذية، والبنية التحتية الرقمية المتطورة، بما فيها قدرات الحوسبة العالية الجودة وحوكمة البيانات، فضلاً عن الأطر الأخلاقية والتنظيمية التي تضمن الثقة والمسؤولية في استخدام الذكاء الاصطناعي. ويكتمل النموذج بآليات عملية لتجسير الفجوة بين البحث العلمي والتطبيق، وتحويل الابتكارات إلى حلول ومنتجات تستجيب لحاجات السوق.
وفي سياق شرح آليات التعاون المؤسسي، عرض جدعون أهمية إنشاء إطار حوكمة موحد ومستدام يحدد الأدوار والمسؤوليات ويحد من تكرار المهام، بالتوازي مع تعزيز التكامل الرقمي وتبادل البيانات بصورة آمنة وشفافة، بما يدعم اتخاذ القرارات المبنية على الأدلة. كذلك شدد على ضرورة تطوير قنوات لنقل التكنولوجيا من الجامعات ومراكز الأبحاث إلى المؤسسات الإنتاجية، وتنسيق الأدوار بين القطاعين العام والخاص والمؤسسات التعليمية، بما يسهم في توجيه الاستثمارات نحو رأس المال البشري ورفع كفاءة استخدام الموارد.
وفي ما يتعلق بالخطوة الإجرائية الأولى التي يحتاج إليها لبنان، اعتبر جدعون أن الجامعات مطالبة بإعادة النظر في تصميم مناهجها واختصاصاتها استناداً إلى قراءة منهجية ومحدثة لاحتياجات سوق العمل. وضرب مثالاً بتدريس برنامج MATLAB في عدد من الجامعات، رغم أن ترتيبه يأتي في المرتبة السابعة عشرة وفق التصنيف الذي استند إليه العرض، في حين تتزايد الحاجة إلى أدوات وتقنيات أخرى لا يزال كثير من الخريجين غير مطلعين عليها. وأثار ذلك مسألة جوهرية تتعلق بمدى قدرة البرامج الأكاديمية الحالية على تأهيل الطلاب للوظائف المتاحة فعلياً عند تخرجهم.
ودعا جدعون إلى تعزيز التعاون بين مؤسسات التعليم العالي ومديرية التعليم العالي ومختلف قطاعات سوق العمل، بما يتيح تطوير برامج التعليم المستمر والتدريب مدى الحياة، والانتقال تدريجياً نحو مفهوم الدراسات والكفايات المتجددة بدلاً من حصر التقييم في الشهادات الجامعية التقليدية، مع ضمان جودة المخرجات التعليمية. وخلص إلى أن التحولات العالمية في التكنولوجيا والاقتصاد تفرض إعادة صياغة جوهرية للنموذج التعليمي، بعدما أصبحت الفجوة بين مخرجات الجامعات واحتياجات سوق العمل أحد أبرز أسباب صعوبة اندماج الخريجين في الحياة المهنية.



