Up a Notch للصّلصات: مِثالٌ حيٌّ على ثورة الشّباب اللّبنانيّ في وجه الوضع المتأزّم. تحقيق: طوني لطيف حرب

تُشير الدِّراسات الحديثة، إلى أنّ بطالة الشّباب في لبنان بلغت 47% وهي من أعلى المعدّلات في المنطقة. أزمةٌ تلو الأخرى يرزح تحتها الشّباب اللّبنانيّ، شبه المهزوم، الّذي يبحث عن فرصةٍ في كَومةِ شَدائد. في ظلّ هذه الظّروف القاسية، يمثّل الشّابّ شربل بو فرحات قدوةً حسنةً، ونموذجًا مُلهِمًا لأبناء جيله، في الإصرار والعَزيمة والتّغلّب على الرّكود الاِقتصاديّ، وتدهور الأوضاع المعيشيّة. لم يتذرّع شربل، صاحب مشروع Up a Notch للصّلصات، بصعوبة الوضع ونقص التّمويل وانعدام الاستقرار؛ إنّما صمّم على تحويلها مرحلةً للتّخطيط، قبل البدء بمشروعه الخاصّ، مظهرًا قدرةً فريدةً على التّكيّف مع المتغيّرات.

يُخبرني شربل عن المشروع، معرِّفًا به: «Up a Notch هي تعبيرٌ عن شغفي في صناعة الصّلصات وتركيبها، من دون موادٍّ حافظة، وبأكثر الطّرائق صحّةً، لكي أرفعَ النّكهة في أطباق زبائني، إلى أذكى طَعمٍ ممكن». يَصنَع شربل من مطبخ بيته، في المتن الشّماليّ، 4 صلصاتٍ حارّةٍ: الصّلصة الحارّة الكلاسيكيّة، والصّلصة الخضراء، وصلصة بالنّكهة اللّبنانيّة، ومربّى الفلفل الحارّ، بالإضافة إلى مُنَكِّهٍ واحِدٍ، هو الملفوف المُخَمَّر، وصلصلة التّغميس بالخضار المدخَّن. ويتلقّى الطّلبات عبر حسابات Up a Notch على وسائل التّواصل الاجتماعيّ.

نتعرّف معًا، إلى شربل الطَّموح، ونكتشف أحلامه وآراءه، ونأخذ بنصيحته لأهمّيّة دور الشّباب في إيجاد حلولٍ مبتكرة، والسّعي إلى تحقيق الاستقلال المادّيّ، في أجواءٍ اقتصاديّةٍ مكفهرّة.

– متى تصبح الأزمات المتتالية، الّتي تفتك بجيل الشّباب، مصدر اندفاعٍ وقوّةٍ بدل أن تكون أداة تحطيم؟

في الأزَمات الاِقتصاديّة، الّتي توالت على لبنان، المتضرّرُ الأوّل غالِبًا هو الأضعف والأصغر سِنًّا، بِحيث يجد نفسه في مواجهة تحدّياتٍ قد تبدو أكبر من قدرته على التّحمّل أو المقاومة. ولكنّني بتُّ أؤمن بأنّ هذه الظّروف هي الدّافع للمُضيّ، ونقطة الانطلاق الحقيقيّة. فعندما يبلغ الإنسان الحضيض، لا يعود أمامه سوى البحث عن الحلول، وصناعة الفرص بنفسه، والتّشبُّث بِبَصيص أملٍ بدلَ الاِستسلام للواقع.- بمَ تنصح شباب اليوم، الّذي ينتظر تحسُّن الأوضاع وتحلحل الظّروف، لكي يخطو خطوةً إلى الأمام؟

لا تنتظر الأوضاع لتستقرّ وتتحسّن. بادر واِصنعْها بنفسِك. إلى كلّ شباب لبنان، لا تعيشوا على قيد الانتظار، لأنّ الانتظار سيَطول لا محالة. كلّ يومٍ يمرّ دون أن نبدأ بالسّعي نحو أحلامنا، هو يومٌ يُضاف إلى جدوَل التّأخير. نحن نحيا في بلدٍ، تتراكم فيه التّحدّيات، لذا علينا بالثّقة بقدراتنا، والبدء بخطواتٍ صغيرةٍ ثابتةٍ، نحو تحقيق الهدف.

– هل أسفتَ يومًا على تخصّصك الجامعيّ وتمنّيت لو أنّك استغللتَ الوقت والجهد في تطوير مشروعك؟

في الجامعة، اخترتُ التّخصّص الأقرب إلى اهتماماتي، لكن لو عاد بي الزّمن إلى أعتاب دخول الجامعة، لما اكتفيتُ بالدّراسة وحسب، بل كنتُ بادرتُ إلى بناء مشروعي الخاصّ، بالتّوازي مع الجامعة. وبكلّ صدقٍ وصراحة، كنتُ سأجعل إنشاء مشروعي أولويّة، إلى جانب تحصيلي العلميّ، لأنّ الخبرة العمليّة لا تقلّ أهمّيّة عن التّعليم الأكاديميّ.

– في سوق الصّلصات، المتخم بالعلامات التّجاريّة الوطنيّة والعالميّة، ما التّحدّيات غير المتوقّعة الّتي واجهتك في بداية تسويقك لمنتجاتك؟

معظمُنا اعتاد العلامات التّجاريّة المعروفة، لذلك ليس من السّهل إقناع المستهلك بتجربة منتَجٍ محلّيٍّ مختلف. إنّ أكبر التّحدّيات هي تغيير الصّورة النّمطيّة التّسويقيّة، المزروعة في عقل المستهلك اللّبنانيّ، عن واقع الصّلصات وما يجب أن تكون علَيه. فعبرَ Up a Notch، أسعى إلى تغيير تلك العادة، وتوفير صلصاتٍ محلّيّة، وطبيعيّة وصحّيّة للسّوق اللّبنانيّ، تثبت أنّ الجودة لا ترتبط بالأسماء التّجاريّة التّقليديّة.

– دراساتٌ تقول إنّ أكثر من ثلثَي اللّبنانيين، لا يمتلكون القراءة الصّحّيّة. فكيف تقنعهم بشراء منتجك، لأسبابٍ أبعد من دعم الإنتاج المحلّيّ؟

كَون المنتَج محلّيًّا، يمنحني قدرًا من المصداقيّة، ويشجّع الكثيرين على دعمه، لكن السّبب الحقيقيّ الّذي يدفع الزّبون إلى العودة، هو جودة المنتج نفسه. فالصّلصات لذيذةٌ، وصحّيّةٌ، ومصنوعةٌ بالكامِل من مكوّناتٍ طبيعيّةٍ خاليةٍ من أيّ إضافاتٍ اصطناعيّة. من هنا، إنّ أفضل وسيلةٍ للإقناع، ليست بالإعلان وحدَه، إنّما بتجربة الزّبون الشّخصيّ

– كيف طوّرتَ نفسك بمجال تصنيع الصّلصات، للوصول إلى التّركيبات الأفضل؟

تطوير الصّلصات، رحلةٌ بدأتْ قبلَ ثلاث سنَوات. في البداية، كنتُ أصنع الصّلصات للعائلة والأقارب، خاصّةً أنّ عندي إنتاجًا زراعيًّا وفيرًا. من مطبخ المنزل، انطلقَت رحلةٌ طويلةٌ من البحث والتّجارب، للحصول على أفضل التّركيبات، وأحسن الطّرائق الّتي تُتيح الحفاظ على المنتَج طبيعِيًّا، دون العبث بجودته ونكهته. وبعد مئات المحاولات، واكتساب خبرةٍ في أساليب الحفظ والتّصنيع، وصلتُ إلى وصفاتٍ كنتُ واثِقًا بجودتها، فحوّلتُ هذه الثّقة مشروعًا يحمل هُويّةً خاصّة.

– مطبخ بيتك هو مصنعك. هل تعدّ نفسك جاهزًا لاستقبال عدد طلباتٍ كبير؟ بسياقٍ آخر، إلى أيّ مدًى كمّيّة التّصنيع محكومةٌ بضيق المساحة، ونقص الأدوات الكبيرة؟

توفُّر المساحة، من أهمّ العوامِل لِتسهيل العمل وزيادة القدرة على التّوسّع. ومع ذلك، فإنّ المكان الّذي أعمل فيه حاليًّا، يسمح بإنتاج ما يقارب مئة قنّينةٍ يوميًّا. ولا شكّ في أنّ زيادة القدرة الإنتاجيّة، رهنٌ بتوفير المعدّات والآلات الّتي تسرع عمليّة التّصنيع، وتسمح بالوصول إلى جودةٍ ممتازة.

– ما الحلم الأكبر؟ أي ما النّقلة النّوعيّة الّتي تحلم بأن تنقل up a notch إليها؟

حلمي أن تصبح Up a Notch علامةً فارقةً، تغيّر ثقافة النّاس عن الطّعام وعالَم الصّلصات، أكثر من كَونِها مجرّد شركةً تجاريّة. أطمح إلى تشجيع محبّي الصّلصات، على اختيار منتجاتٍ طبيعيّةٍ، أكثر صحّةً وأغنى نكهةً. أمّا على المدى البعيد، بإذن الله، فسوف تكون Up a Notch الخِيار الأوّل لكلّ من يبحث عن منتجٍ طبيعيٍّ مميّز.

شارك هذا المقال :
WhatsApp
Facebook
X
LinkedIn