توجد مسألة التكوين (التدريب) الأساسي والمستمر للمدرسين اليوم حسب رايي في مفترق طرق حاسم في مواجهة التغيرات المجتمعية العربية والتحديات البيداغوجية والتعليمية و الرقمية المتواصلة ومتطلبات اقتصاد المعرفة. لم يعد من الممكن اعتبار التكوين او التدريب الأساسي ولكن ايضا المستمر للمدرسين ومختلف الفاعلين التربويين مجرد تعديل تقني وتطبيقي (على أهمية ذلك)، بل كرافعة استراتيجية للتحول التربوي للمدرسة . لذلك تتجاوز مسالة التكوين الأساسي للمدرسين قضايا متعلقة بالتربصات الميدانية إنها ترتبط اساساً بضبابية الرؤية بل بانعدامها وانعدام سياسة تربوية واضحة المعالم تجعل من تكوين المدرسين مسالة وطنية جوهرية في كل وطن تتعلق ببناء جيل جديد من المعلمين القادرين على مرافقة التلاميذ نحو التميز، وتنمية روح النقد والإبداع لديهم، وإعدادهم لمهن المستقبل.
وتتطلب هذه المهمة ثورة تربوية تضع الابتكار والتعاون والقدرة على فهم و استشراف التطور المستقبلي للمهنة و للكفايات المرجعية الخاصة بها في صميم مضمون و أشكال التمهين.تتجه سياسات التكوين الأساسي للمدرسين نحو خيارات استراتيجية يمكن تلخيصها في أربعة محاور أساسية:
-التعليم كقدرة على احداث التغيير. لا يمكن لأي مجتمع ان يتطور خارج امكانات منظومته التعليمية. كما لا يمكن تحقيق أهداف التنمية المستدامة (القضاء على الفقر والجوع، ضمان الصحة والتعليم، تحقيق المساواة بين الجنسين، الحفاظ على الموارد الطبيعية وتأصيل مقاربة إيكولوجية جديدة، تعزيز النمو الاقتصادي، بناء بنية تحتية مستدامة، معالجة تغير المناخ، وتعزيز الشراكات العالمية). خارج سياسة تعليمية واضحة المعالم..
– مقاربة هوليستيكية للتعليم : يمكن تمثل المقاربة الهوليستسكية للتعليم ضمن ثلاثة مستويات مترابطة :بيئة التعلم : توفر المقاربة الهوليستيكية للتربية فرصًا للتعلم في سياقات متنوعة، في الفصل، وأثناء أنشطة الحياة المدرسية، والمشاريع المدرسية، وجمعيات المجتمع المدني. يعني ذلك انه إذا كان الفصل (كما هو اليوم) يمثل اطارا بيداغوجيا ملائما لمعالجة البعد المعرفي و المفاهيمي للقضايا و الظواهر موضوع التعلم فإن الأبعاد الاجتماعية-العاطفية والسلوكية، تتطلب تجارب حقيقية تمثل لدى المتعلمين فرصة لتطوير واختبار أفكارهم وقيمهم ومواقفهم، والتصرف بمسؤولية. تصبح المشاركة في الأنشطة خارج الفضاءات المدرسية فرصا للتعلم و التفاعل.
الركائز الأربع للتعلم: تقدم المقاربة الهوليستيكية رؤية للتعليم تتجاوز الكفاءة والأداء في المدرسة لتحقيق التوازن بين الركائز الأربع للتعلم : “التعلم من اجل المعرفة “، و”التعلم من اجل العمل”، و”التعلم من اجل التحرر الذاتي “، و”التعلم من اجل العيش المشترك”.
الكفايات الافقية و البينية: تشير المقاربة الهوليستيكية في التعلم الى ضرورة القطع مع النموذج التجزيئي الذي يقطع المعرفة ويجزئها للانتقال نحو نموذج نسقي مركب افقي يهدف إلى ربط و تشبيك المعرفة وتجنب تجزئتها وحصرها في مواد مدرسية منفصلة. ان ما نشهده اليوم هو اتجاه متزايد لعدم انغلاق الخطاب التعليمي في مجال المهارات المعرفية الفردية وانفتاح التوجهات التربوية المعاصرة حول المهارات الاجتماعية والعاطفية. لذلك نلحظ اليوم اهتمام اخصائي المناهج الدراسية و هندسة التعليم و التكوين بالمهارات المستقبلية لسوق الشغل ضمن مقاربة تربوية تنفتح فيها التعلمات المدرسية على مهارات الحياة و التربية على…
– التعلم الرقمي الذي يجمع بين أساليب مختلفة مثل التعلم المدمج، والتعلم الافتراضي، والتعلم عبر الإنترنت و الكتب الإلكترونية، ومقاطع الفيديو، والتطبيقات التعليمية، والألعاب التعليمية. لا بد من التأكيد على ضعف منظومة التكوين الأساسي والمستمر للمدرسين في مجال التعليم الرقمي. أن اغلب المدرسين في جميع القطاعات لا يتلقون تكوينا كافياً لتطوير مهاراتهم في هذا المجال. يجمع الباحثون المتخصصون في التعليم الرقمي على أن المناهج الدراسية والبرامج المعتمدة حالياً في المدارس تزيد من حجم الفجوة بين المدرسة والعالم الرقمي الذي تقوم عليه الحضارة الإنسانية اليوم. أن التوجه نحو المقاربات الرقمية في قطاع التعليم أصبح حسب رايي أمراً اساسياً، ولم يعد خيارا. يعتبر التعليم الرقمي في مدارسنا رغم ما تدعيه الوزارة من انغماس في هذا التوجه امراً يكاد يكون منعدما.
تعاني البرامج الرسمية من تصحر كلي لاستخدام التكنولوجيا في مجال الأبحاث والتفكير النقدي والتصميم التفكيري. تعيش المدرسة تصحرا رقميا زمن الثورة الصناعية الرابعة والذكاء الاصطناعي وً الروبوت، وأنترنت الأشياء والأمن السيبراني والطباعة الثلاثية الأبعاد، وتحليل البيانات واتخاذ القرارات بناء على البيانات. تقف المدرسة اليوم على الربوة تنتظر من ينقذها من الوهم والإفلاس الرقمي البيداغوجي الذي اصابها.
– تطوير قدرات المدرسين والفاعلين التربويين على تحليل المعطيات والبيانات وفهم دلالتها. كيف لنا ان نضمن اليوم تكوينا متينا للسادة المدرسين؟ إن تحذيرنا الدائم من حماية السادة المدرسين من “ثقافة ضحلة” أثناء تكوينهم الأساسي دعوة إلى الاستئناس ببعض التجارب العالمية الرائدة الناجحة في هذا المجال. ثمة تجارب عالمية ناجحة لإعادة ابتكار برامج لتكوين المدرسين و مختلف الفاعلين التربويين يدمج مناهج التربية وهندسات التعليم والطرائق مع علوم البيانات والذكاء الاصطناعي. بهدف هذا النموذج إلى تكوين مدرس يمتلك القدرة على قراءة الظواهر التربوية بنفس العمق الذي توفره العلوم الإنسانية، وفي الوقت ذاته يتمتع بمهارات تحليلية وتقنية تؤهله لدخول مجالات مهنية واسعة تشمل الإعلام الرقمي، والذكاء الاصطناعي و تحليل البيانات، و الصناعات الإبداعية، وحتى مراكز الأبحاث التي تبحث عن دمج التكنولوجيا بالتربية . والآن يقع على عاتق صانعي القرار والمجتمع التعليمي بأسره تحويل هذه الرؤية إلى واقع ملموس. ان السياسة التربوية “بأبعادها النظامية وغير النظامية واللانظامية” ليست إلا فرعا من سياسة عامة، غايتها الأسمى تكوين المواطن الحر انطلاقا من العلاقة العضوية بين المعرفة و الحرية. هل يمثل ذلك خيارا وطنيا؟ هذا رأي يلزمني أنا فقط.



