نُشر المقال في منشورات قيادة الجيش – مديرية التوجيه، العدد 134، تموز 2026، وأعدّه د. شوقي عطيه، الباحث المتخصص في الديموغرافيا والأستاذ المحاضر في الجامعة اللبنانية – معهد العلوم الاجتماعية. ويحاول المقال تقديم قراءة علمية واسعة للواقع السكاني في لبنان، في ظل غياب تعداد رسمي للسكان منذ عام 1932، مستندًا إلى تجميع مصادر إحصائية مختلفة وإعادة تحليلها للوصول إلى تقدير لعدد السكان المقيمين وبنيتهم، ثم إسقاط هذه المعطيات على المستقبل حتى عامي 2035 و2050.
ينطلق المقال من مشكلة أساسية تتمثل في أن لبنان يعيش منذ عقود من دون قاعدة سكانية رسمية ومحدثة تسمح بمعرفة العدد الفعلي للمقيمين وتركيبهم العمري والجغرافي والجنسي. ويرى الباحث أن غياب التعداد لا يعني غياب البيانات، إذ يمكن تركيب صورة ديموغرافية أكثر دقة من خلال الجمع بين تقرير القوى العاملة الصادر عن إدارة الإحصاء المركزي عام 2020، والتعداد الشامل للمخيمات والتجمعات الفلسطينية عام 2017، ومعطيات الأمن العام حول النازحين السوريين، وسجلات الولادات والوفيات والزواج والطلاق، إضافة إلى تقديرات الهجرة.
ومن خلال هذه المنهجية يقدّر المقال عدد المقيمين في لبنان في منتصف عام 2024 بنحو 6.86 ملايين نسمة، موزعين بين نحو 3.7 ملايين لبناني، و2.1 مليون سوري في المخيمات وفق منهجيته، ونحو 230 ألف فلسطيني، ونحو 830 ألفًا من الجنسيات الأخرى، مع الإشارة إلى أن بعض الفئات تتداخل إحصائيًا وفق أماكن الإقامة والتصنيف المستخدم.
ولا يكتفي المقال بحساب العدد، بل يذهب إلى تفكيك البنية الديموغرافية للمجتمع اللبناني. فهو يوضح أن الصورة السائدة عن تفوق الإناث على الذكور بفارق كبير ليست دقيقة، رغم أن الهجرة اللبنانية تؤثر بصورة واضحة في التركيبة الجنسية، خصوصًا في أعمار النشاط الاقتصادي. كما يبرز التفاوت الكبير بين المناطق اللبنانية في بنيتها العمرية؛ فعكار تبدو من أكثر المناطق فتوة، بينما ترتفع نسبة كبار السن في مناطق أخرى، ولا سيما بيروت.
ويعتبر الباحث أن المؤشر الأكثر دلالة ليس فقط ارتفاع نسبة المسنين، بل الفارق بين نسبة الأطفال لدى اللبنانيين ونسبتهم لدى غير اللبنانيين، إذ يرى أن ارتفاع نسبة صغار السن بين بعض مكونات السكان غير اللبنانيين يحمل دلالة مهمة على اتجاهات النمو المستقبلية.
ويخصص المقال مساحة واسعة لمركبات النمو الديموغرافي الثلاثة: الولادات والوفيات والهجرة، إضافة إلى الزواج والطلاق باعتبارهما من العوامل المؤثرة بصورة غير مباشرة في الخصوبة. ويظهر الاتجاه العام انخفاضًا حادًا في الولادات اللبنانية منذ عام 2011، بالتزامن مع تراجع الزواج وارتفاع سن الزواج، بينما أخذت الوفيات بالارتفاع تدريجيًا، مع قفزات استثنائية خلال جائحة كورونا والحرب الأخيرة.
وفي المقابل، ساهمت الهجرة الكثيفة للبنانيين في تحويل النمو السكاني اللبناني إلى مسار سلبي خلال سنوات الأزمة. ويلفت المقال إلى ظاهرة ديموغرافية لافتة ظهرت في 2025، تمثلت في ارتفاع الولادات مجددًا إلى أكثر من 71 ألف ولادة، ويربطها بما يسميه «جيل الصدى» الذي نتج عن ارتفاع الولادات بعد انتهاء الحرب اللبنانية، قبل أن يصل هذا الجيل إلى سن الزواج والإنجاب بعد نحو ثلاثة عقود.
الأكثر إثارة للقلق في الديموغرافيا اللبنانية، وفق المقال، يظهر عند الانتقال من وصف الحاضر إلى إسقاط المستقبل. فبناءً على فرضيات مختلفة لمعدلات النمو، يتوقع الباحث أن يرتفع إجمالي السكان إلى نحو 8.01 ملايين نسمة عام 2035، في مقابل استمرار نمو المكونات غير اللبنانية بمعدلات تفوق معدل نمو اللبنانيين. ووفق السيناريو الأكثر تفاؤلًا بالنسبة إلى اللبنانيين، قد تنخفض نسبتهم إلى نحو 48.8% من مجموع السكان، بينما قد تهبط إلى نحو 45% وفق السيناريو الذي يعتمد معدل النمو اللبناني الحالي.
وهنا ينتقل البحث من مجرد دراسة سكانية إلى قضية ذات أبعاد اقتصادية واجتماعية ووطنية شديدة الحساسية، لأن التحول في التركيبة السكانية يعني تغيرًا في احتياجات سوق العمل والتعليم والصحة والسكن والضمان الاجتماعي وفي طبيعة المجتمع نفسه.
أما التحدي الثاني الذي يضعه المقال في قلب الديموغرافيا اللبنانية فهو الشيخوخة. فبحسب الإسقاطات الواردة فيه، سيرتفع العمر الوسيط للسكان في لبنان من نحو 29 عامًا عام 2020 إلى 36 عامًا عام 2050، بينما يرتفع العمر الوسيط للبنانيين إلى نحو 38 عامًا. والأكثر أهمية أن نسبة من هم في سن 65 عامًا وما فوق قد ترتفع إلى 22.5% من مجموع سكان لبنان و25% من السكان اللبنانيين عام 2050. وهذا يعني أن لبنان لا يواجه فقط مشكلة انخفاض الولادات والهجرة، بل يواجه أيضًا انتقالًا سريعًا نحو مجتمع أكثر تقدمًا في العمر، في وقت تعاني فيه الصناديق الضامنة والمؤسسات العامة والاقتصاد من سمات ضعف شديد.
وبالتالي، فإن ارتفاع نسبة المسنين سيقترن بارتفاع نسبة الإعالة، وتراجع قاعدة السكان في سن العمل، وزيادة الضغوط على التقاعد والرعاية الصحية والمالية العامة.
وتكمن قيمة المقال الأساسية في أنه يحاول نقل النقاش حول الديموغرافيا اللبنانية من دائرة الانطباعات السياسية والإعلامية إلى دائرة الحسابات والمنهجية. فبدل التعامل مع أرقام السكان كحقائق ثابتة أو شعارات متداولة، يحاول الباحث تركيب الرقم من مصادر متعددة، وشرح كيفية الوصول إليه، ثم بناء سيناريوهات مستقبلية على أساس معدلات نمو مختلفة. وهذه نقطة مهمة خصوصًا في بلد تتحول فيه الأرقام السكانية بسرعة إلى مادة سياسية، بينما تحتاج في الأصل إلى معالجة إحصائية وديموغرافية مستقلة.
وفي المقابل، تبقى بعض النتائج شديدة الارتباط بالفرضيات التي يعتمدها الباحث، ولا سيما تقديرات أعداد السوريين، ومعدلات نمو المكونات المختلفة، وحجم الهجرة، ولذلك ينبغي التعامل مع الأرقام المستقبلية باعتبارها إسقاطات وسيناريوهات وليست تنبؤات حتمية.
كما أن أي تغير كبير في العودة إلى سوريا، أو في الهجرة اللبنانية، أو في الخصوبة، أو في الظروف الاقتصادية والسياسية، يمكن أن يغيّر المسار الذي ترسمه هذه الإسقاطات.
في المحصلة، يقدّم المقال صورة مقلقة ولكنها مهمة عن الديموغرافيا اللبنانية: انخفاض مستمر في عدد اللبنانيين، هجرة واسعة للفئات الشابة، تراجع الزواج والخصوبة، ارتفاع تدريجي في الوفيات، توسع الفئات المسنّة، وتفاوت متزايد بين معدلات النمو لدى اللبنانيين وغير اللبنانيين.
والأهم أن هذه الاتجاهات لا تعمل منفردة، بل تتفاعل مع بعضها لتنتج تحولًا بنيويًا طويل الأمد. لذلك فإن الرسالة الأبرز في الدراسة ليست أن لبنان سيصل حتمًا إلى نتيجة سكانية محددة في 2035 أو 2050، بل أن المسار الحالي يفرض على الدولة التعامل مع السكان باعتبارهم عنصرًا مركزيًا في التخطيط الاقتصادي والاجتماعي، وأن تجاهل التحولات الديموغرافية اليوم سيجعل معالجة نتائجها في المستقبل أكثر كلفة وصعوبة.



