في لبنان، لم تعد أزمة الطاقة مجرّد خلل تقني أو اقتصادي، بل تحوّلت إلى عامل بنيوي يعيد تشكيل تفاصيل الحياة اليومية، ويضرب في العمق أحد أهم أعمدة المجتمع: التعليم.
ومع تصاعد الضغوط الناتجة عن ارتفاع أسعار النفط عالميًا وتداعيات الحرب الإقليمية، باتت المدارس والجامعات والطلاب في مواجهة واقع قاسٍ، حيث أصبح التيار الكهربائي عنصرًا نادرًا، والتعلّم نفسه مهمة شاقة.
قطاع طاقة هش… ونظام تعليمي تحت الضغط
يعتمد لبنان بشكل شبه كامل على استيراد المشتقات النفطية لتأمين احتياجاته من الطاقة، ما يجعله عرضة مباشرة لتقلّبات الأسعار العالمية. ومع عجز مؤسسة كهرباء لبنان عن تأمين أكثر من بضع ساعات تغذية يوميًا، تحوّل الاعتماد إلى المولّدات الخاصة والطاقة الشمسية كبدائل غير مستقرة ومكلفة.
هذا الواقع ينعكس مباشرة على المؤسسات التعليمية. فالمدارس الرسمية، التي تعاني أصلًا من نقص التمويل، تجد نفسها عاجزة عن تأمين الكهرباء لتشغيل الصفوف، الإنارة، التدفئة، أو حتى مرافق أساسية مثل ضخ المياه. أما المدارس الخاصة، فتضطر إلى رفع الأقساط لتغطية كلفة المازوت أو الاشتراك بالمولّدات، ما يضع عبئًا إضافيًا على الأهالي.
طلاب في العتمة: التعليم بين الانقطاع والتكيّف
في مناطق عديدة، باتت الحصص الدراسية تُختصر أو تُلغى بسبب انقطاع الكهرباء. بعض المدارس تعتمد جداول مرنة تتماشى مع ساعات التغذية، فيما تلجأ أخرى إلى تقليص أيام الدوام. في إحدى المدارس الرسمية في البقاع، يروي مدير المدرسة أن “الطلاب يدرسون أحيانًا على ضوء النوافذ فقط… وعندما تغيب الشمس، ينتهي اليوم الدراسي”.أما التعليم الرقمي، الذي كان يُفترض أن يكون بديلًا في الأزمات، فقد أصبح شبه مستحيل لفئات واسعة من الطلاب. فغياب الكهرباء يعني غياب الإنترنت، وعدم القدرة على شحن الأجهزة، ما يفاقم الفجوة التعليمية بين الطلاب.طالبة جامعية من بيروت تقول: “أحتاج إلى ثلاث ساعات كهرباء يوميًا فقط لأتمكن من متابعة محاضراتي… لكن حتى هذا أصبح صعبًا”. هذه المعاناة اليومية تعكس واقع آلاف الطلاب الذين باتوا يقضون وقتهم في البحث عن مصدر كهرباء بدل التركيز على دراستهم.
رأي الخبراء: خطر على رأس المال البشري
يحذّر خبراء في التربية والاقتصاد من أن استمرار أزمة الطاقة سيؤدي إلى تآكل “رأس المال البشري” في لبنان. ويشير أحد الباحثين التربويين إلى أن “التعليم ليس فقط محتوى يُدرّس، بل بيئة متكاملة… وعندما تنهار هذه البيئة، يتأثر التحصيل، الدافعية، وحتى الصحة النفسية للطلاب”.
كما يؤكد خبراء الطاقة أن الاعتماد المفرط على المولّدات الخاصة يخلق تفاوتًا صارخًا بين المدارس. فالمؤسسات القادرة ماليًا تؤمّن كهرباء مستمرة، بينما تُترك المدارس الأقل حظًا في الظلام، ما يعمّق عدم المساواة في فرص التعليم.
نماذج من التكيّف: حلول مبتكرة في وجه الأزمة
رغم التحديات، ظهرت مبادرات محلية تحاول التكيّف مع الواقع. بعض المدارس لجأت إلى تركيب ألواح طاقة شمسية لتأمين الحد الأدنى من الكهرباء. في إحدى القرى الجنوبية، نجحت مدرسة رسمية في تشغيل صفوفها الأساسية عبر نظام شمسي بسيط، ما سمح باستمرار التعليم ولو جزئيًا.
كما اعتمدت بعض الجامعات نظام “التعليم الهجين”، حيث تُعطى المحاضرات الحضورية خلال ساعات توفر الكهرباء، وتُستكمل المواد عبر منصات رقمية عند الإمكان. وفي حالات أخرى، يتشارك الطلاب مساحات دراسية مزوّدة بالكهرباء، مثل المكتبات أو المقاهي.
هذه الحلول، رغم محدوديتها، تعكس قدرة المجتمع اللبناني على التكيّف، لكنها لا تشكّل بديلًا مستدامًا.
تداعيات طويلة الأمد: جيل مهدّد
أزمة الطاقة لا تؤثر فقط على الحاضر، بل تهدّد مستقبل جيل كامل. الانقطاع المتكرر في التعليم، ضعف التركيز، والضغوط النفسية الناتجة عن الظروف المعيشية، كلها عوامل قد تؤدي إلى تراجع في مستوى التحصيل العلمي، وزيادة معدلات التسرّب المدرسي.كما أن ارتفاع كلفة التعليم، نتيجة كلفة الطاقة، يدفع بعض العائلات إلى سحب أبنائها من المدارس الخاصة، أو حتى من التعليم كليًا، ما يعمّق الأزمة الاجتماعية.
بين الأزمة والفرصة: هل من مخرج؟
رغم الصورة القاتمة، يرى بعض الخبراء أن الأزمة قد تشكّل فرصة لإعادة التفكير في نموذج الطاقة في لبنان. فالتوسع في استخدام الطاقة الشمسية داخل المؤسسات التعليمية يمكن أن يوفّر حلًا مستدامًا، ويخفّف من الاعتماد على الوقود المستورد.
كما أن الاستثمار في بنية تحتية تعليمية مرنة، قادرة على التكيّف مع الأزمات، أصبح ضرورة ملحّة، لا خيارًا.
الخلاصة: التعليم في مواجهة العتمة
في لبنان اليوم، لم تعد أزمة الكهرباء مجرّد انقطاع في التيار، بل انقطاع في مسار التعليم نفسه. وبينما تتقلّب أسعار النفط وتتسع رقعة الأزمات، يبقى الطلاب الحلقة الأضعف، يحاولون التعلّم في بيئة غير مستقرة، ويواجهون تحديات تفوق أعمارهم.
إن إنقاذ التعليم في لبنان يبدأ من معالجة أزمة الطاقة، أو على الأقل التخفيف من آثارها. فحين تنطفئ الأنوار في الصفوف، لا يُحجب الضوء فقط… بل يُهدّد مستقبل وطن بأكمله.



