نُشر المقال في صحيفة نداء الوطن ضمن زاوية “تحت المجهر” بقلم د. مازن مجوز، تحت عنوان “حين يسقط الأمان من يوميات اللبنانيين”، حيث تناول تصاعد ظاهرة النشل في لبنان بوصفها تحوّلًا خطيرًا من حوادث متفرّقة إلى مشهد يومي يهدّد الأمن العام.
وفي هذا السياق، جاءت مداخلة د. بيار الخوري لتقدّم قراءة تحليلية عميقة تتجاوز البعد الأمني الظاهر إلى الجذور البنيوية للأزمة.
يرى د. بيار الخوري أن ظاهرة النشل في لبنان ليست سلوكًا إجراميًا طارئًا أو منفصلًا عن السياق العام، بل هي نتيجة تراكمات اجتماعية واقتصادية ممتدة عبر سنوات من الانهيار. فهو يضع الظاهرة ضمن إطار “الاختلال البنيوي” الذي أصاب منظومة الدولة والمجتمع معًا، معتبرًا أن الجريمة هنا عرضٌ لمرضٍ أعمق، لا مجرد انحراف فردي.
على المستوى الاجتماعي، يربط الخوري تصاعد ظاهرة النشل في لبنان بالتفكك الأسري الناتج عن الضغوط الاقتصادية والهجرة القسرية وانهيار الأدوار التقليدية داخل الأسرة. هذا التفكك أضعف ما يُعرف في علم الاجتماع بآليات “الضبط الاجتماعي الأولي”، أي الرقابة القيمية والتربوية التي تمارسها الأسرة في تشكيل سلوك الأفراد، ولا سيما الشباب. ومع تآكل هذه المنظومة، تزداد قابلية الانزلاق نحو العنف والجريمة.
أما تربويًا، فيشير إلى تراجع دور المدرسة والمؤسسات الدينية والمدنية في إنتاج منظومة قيم جامعة. فحين تتراجع المؤسسات الوسيطة التي تصنع الإحساس بالانتماء والمسؤولية الجماعية، تحلّ محلها ثقافة فردية قاسية تقوم على النجاة الذاتية بأي وسيلة. هنا تتحوّل ظاهرة النشل في لبنان من فعل مدان أخلاقيًا إلى خيار يُبرَّر ضمن منطق البقاء، خصوصًا في ظل غياب أفق اقتصادي واضح.
اقتصاديًا، يضع الخوري البطالة المستفحلة وغياب فرص العمل المستدامة في صلب تفسيره. فالفقر المدقع والضغط المعيشي المستمر، وفق الدراسات النفسية والاجتماعية التي يستند إليها، قد يدفعان بعض الأفراد إلى إعادة تعريف الحدود الأخلاقية للسلوك المقبول. في هذه البيئة، تنشأ “العصابات الصغرى” كتنظيمات غير رسمية قائمة على روابط مصلحية أو مناطقية. وهي لا تبدأ كنماذج إجرامية كلاسيكية، بل كمجموعات شبابية تجمعها الحاجة والحماية المتبادلة، قبل أن تتطور تدريجيًا مع تكرار الإفلات من العقاب.
وهنا يبرز العامل القانوني بوصفه عنصرًا حاسمًا في تفسير تمدّد ظاهرة النشل في لبنان. فضعف الردع القانوني وبطء المحاسبة يخلقان معادلة مختلّة: مخاطرة منخفضة وعائد مرتفع. ومع تراجع التنسيق بين الأجهزة المعنية واهتزاز ثقة المواطنين بالمؤسسات الأمنية والقضائية، يتكرّس ما يسميه علم الاجتماع السياسي “الفراغ السلطوي”، وهو المجال الذي تستثمره هذه العصابات لتوسيع حضورها في الفضاء العام.
لا يختزل الخوري الظاهرة في بعدها المادي المتعلق بسرقة الممتلكات، بل يحذّر من أثرها التراكمي على الشعور الجمعي بالأمان. فحين يصبح الخوف جزءًا من الروتين اليومي، ويتحوّل الشارع إلى مساحة تهديد دائم، تنشأ سلوكيات دفاعية وانعزالية تضعف التضامن الاجتماعي. وهكذا تدخل ظاهرة النشل في لبنان في حلقة مفرغة: ضعف أمني يولّد خوفًا جماعيًا، والخوف يعمّق التفكك الاجتماعي، ما يخلق بيئة أكثر قابلية للجريمة.
في الخلاصة، يقدّم د. بيار الخوري مقاربة شاملة تعتبر أن المعالجة الأمنية وحدها غير كافية. فالقمع أو التشديد الأمني قد يحدّ من النتائج مرحليًا، لكنه لا يعالج الأسباب البنيوية. المطلوب، وفق رؤيته، إعادة بناء شبكات الأمان الاجتماعي، خلق فرص اقتصادية حقيقية، استعادة هيبة القانون، وترميم الثقة بين الفرد والدولة. فقط عبر هذه المقاربة المتكاملة يمكن كبح ظاهرة النشل في لبنان وإعادة الأمن إلى طابعه الوقائي لا القمعي فحسب.



