لماذا يتراجع طلابنا؟ أزمةُ التعليمِ من الجذورِ إلى الحلولِ. بقلم: فاروق غانم خداج

لم يعد تراجعُ طلابِ المدارسِ ظاهرةً عابرةً، بل بات مرآةً تعكسُ عمقَ الخللِ في نظامٍ تربويٍّ فقدَ بوصلتَه، وتعثّرَ في أداءِ رسالتِه.

فما نشهده اليوم من ضعفٍ في الاستيعابِ وتدنٍّ في المستوى الدراسيّ ليس نتيجةَ كسلٍ فرديٍّ، بل حصيلةَ منظومةٍ مأزومةٍ من المناهجِ إلى المجتمع.

إنّ التعليمَ الذي لا يُثمرُ وعيًا، ولا يُنمّي روحَ التساؤلِ، يفقدُ جوهرَه الإنسانيَّ ويغدو قشرةً بلا لُبٍّ.

أولًا: المناهجُ التي تُعلِّمُ الحفظَ لا الفهمَ

ما تزالُ المناهجُ في معظمِ الدولِ العربيةِ أسيرةَ التلقينِ والتكرارِ، تُغرقُ الطالبَ بالمعلوماتِ، لكنها لا تُعلِّمه كيفَ يفكّرُ بها.

يخرجُ الطالبُ من المدرسةِ وقد حَفِظَ النصوصَ، لكنه لم يتعلّم كيف يَسألُ أو يُحلّلُ أو يَستنتجُ.

إنّ غيابَ التفكيرِ النقديّ يجعلُ التعليمَ مجرّدَ طقسٍ شكليٍّ لا يربطُ المعرفةَ بالحياةِ، فيفقدُ الطالبُ شغفَه بالدراسةِ ويشعرُ أنَّ ما يتعلّمه لا يعنيه، وأنّ الدرسَ مجرّدُ امتحانٍ لا تجربةُ فهمٍ أو بحثٍ عن معنى.

ثانيًا: المعلّمُ بينَ ضيقِ العيشِ وضياعِ الدورِ

المعلّمُ، وهو ركنُ العمليةِ التربويةِ، بات في كثيرٍ من الأحيانِ ضحيّةَ الإهمالِ والإرهاقِ والمعاناةِ.

لا حافزَ ماديًّا يكرّمه، ولا تقديرَ معنويًّا يحفظُ مكانتَه.ومع غيابِ التدريبِ والتأهيلِ المستمرّ، تراجعتْ كفاءةُ التعليمِ، وصار بعضُ الأساتذةِ يبحثونَ عن الرزقِ في الدروسِ الخصوصيةِ بدلَ تطويرِ أنفسِهم في الصفوفِ الرسميةِ.

وهكذا ضاعَ المعلمُ بينَ ضغطِ الحياةِ وقسوةِ المؤسساتِ، فتراجعتْ قدرتُهُ على الإبداعِ، وغابتْ عنهُ الرسالةُ التنويريّةُ التي كانتْ يومًا جوهرَ المهنةِ.

ثالثًا: بيئةٌ مدرسيةٌ منفّرةٌ

المدرسةُ في عيونِ كثيرٍ من التلاميذِ لم تَعُد فضاءً للفرحِ أو الاكتشافِ، بل مكانًا جامدًا تحكمُهُ البيروقراطيةُ والجمودُ.

صفوفٌ مكتظّةٌ، وإدارةٌ جامدةٌ، وعقابٌ يحلُّ محلَّ التحفيزِ.

أما الأنشطةُ الفنيةُ والثقافيةُ والرياضيةُ، فغالبًا ما تُهمَّشُ، فتغيبُ روحُ الحياةِ عن المدرسةِ، ويذبلُ فيها خيالُ الطفولةِ.

فكيفَ يُبدعُ الطفلُ في فضاءٍ يخلو من الجمالِ واللعبِ، وهما شرطا التعلّمِ الحقيقيّ؟

رابعًا: التكنولوجيا… من نافذةِ معرفةٍ إلى ثقبٍ في الوعي

وإلى جانب هذه العواملِ التربويةِ، ظهرَ في العقدِ الأخيرِ خطرٌ جديدٌ يهدّدُ العمليةَ التعليميةَ من جذورِها: إنّه الانغماسُ المفرطُ في التكنولوجيا.

لم تعد التكنولوجيا وسيلةً مساعدةً للتعلّمِ، بل غدت في حياةِ طلابِ اليومِ سيّدةَ الوقتِ والعقلِ.

يستيقظُ التلميذُ والهاتفُ بينَ يديه، وينامُ والضوءُ الأزرقُ يرافقُ عينيه حتى آخرِ لحظةٍ قبلَ الإغفاءِ.

لقد تحوّلت الشاشةُ الصغيرةُ إلى عالمٍ بديلٍ يسرقُ منه الانتباهَ والهدوءَ والخيالَ.

فكيفَ يمكنُ لعقلٍ مشتّتٍ بينَ الإشعاراتِ والمقاطعِ العابرةِ أن يُصغيَ إلى درسٍ يتطلّبُ تركيزًا وصبرًا؟

تجعلُ الهواتفُ الذكيةُ الطالبَ يعيشُ في حالةِ تشظٍّ ذهنيٍّ دائمٍ، ينتقلُ من لعبةٍ إلى فيديو، ومن رسالةٍ إلى منشورٍ، دونَ أن يمنحَ نفسَه دقيقةَ تأملٍ واحدةٍ.

ومعَ الوقتِ، تضعفُ قدرتُهُ على التركيزِ والفهمِ، لأنَّ دماغَهُ لم يَعُد معتادًا على التفكيرِ الطويلِ أو التحليلِ العميقِ.

صارَ التعلّمُ بالنسبةِ إليه مهمّةً ثقيلةً أمامَ سيلِ الصورِ والمقاطعِ التي تمنحُهُ لذّةً فوريةً بلا جهدٍ.

إنها أزمةُ إدمانٍ رقميٍّ تقتلُ في الجيلِ الجديدِ أجملَ ما في الطفولةِ: الخيالَ، والدهشةَ، والقدرةَ على التساؤلِ.

وما لم تُوَجَّه التكنولوجيا لتكونَ أداةَ معرفةٍ لا وسيلةَ استهلاكٍ، فستظلُّ المدرسةُ تخسرُ معركةَ الوعيِ أمامَ شاشةٍ صغيرةٍ تومضُ ليلًا ونهارًا؛

إنّ الإصلاحَ هنا يبدأُ من الأسرةِ، بتحديدِ الوقتِ أمامَ الشاشاتِ، وبإعادةِ تعريفِ معنى “التسلية” و”الراحة”، لتعودَ التكنولوجيا صديقةً للعلمِ لا خصمًا له.

خامسًا: المجتمعُ الذي أنهكَهُ الفقرُ واليأسُ

الفقرُ، والبطالةُ، والضغوطُ الأسريةُ تجعلُ الطالبَ يعيشُ قلقًا دائمًا.

وحينَ يرى أنَّ التعليمَ لم يَعُد طريقًا مضمونًا إلى العملِ، يَفقدُ حافزَه، وتبردُ في داخلهِ جذوةُ الطموحِ.

إنها أزمةٌ اجتماعيةٌ بقدرِ ما هي تربويةٌ، لأنّ الطفلَ لا يتعلّمُ في الصفِّ فقط، بل في بيئةٍ كلّها تُؤثّرُ في وجدانهِ.

وما لم يتكاملْ دورُ المدرسةِ معَ دورِ العائلةِ والمجتمعِ، سيبقى التعليمُ جهدًا منقوصًا يُثمرُ شهاداتٍ أكثرَ مما يُثمرُ عقولًا.

الخاتمة: إصلاحُ المدرسةِ… إصلاحُ المستقبلِ

تراجعُ الطلابِ ليس مشكلةً فيهم، بل في النظامِ الذي علّمهم كيف يجيبونَ، لا كيف يسألونَ.وحينَ نستعيدُ للمدرسةِ دورَها في بناءِ الإنسانِ الحرِّ، وللمعلّمِ مكانتَه، وللتكنولوجيا وجهَها المشرقَ، عندها فقط يمكننا أن نأملَ بجيلٍ يقرأُ ليعرفَ، لا ليُمتحَنَ.

فالتعليمُ الحقيقيُّ ليس ما نحفظُه، بل ما يُوقظُ فينا الرغبةَ في الفهمِ والسؤالِ والاكتشافِ.وإذا استعدنا للمدرسةِ رسالتها، وللمعلّمِ هيبتَه، وللتكنولوجيا دورَها الصحيح، سنستعيدُ في أبنائنا وهجَ الفهمِ وحبَّ المعرفةِ من جديد.

شارك هذا المقال :
WhatsApp
Facebook
X
LinkedIn