طُوّر مفهوم مسافة القوة في سبعينيات القرن الماضي على يد غيرت هوفستد ضمن نظريته في الأبعاد الثقافية، التي تهدف إلى تفسير تأثير ثقافة المجتمع على قيم أفراده وسلوكياتهم. وتتألف هذه النظرية من ستة أبعاد رئيسية: مسافة السلطة، الفردية مقابل الجماعية، الذكورة مقابل الأنوثة، تجنّب عدم اليقين، التوجّه طويل الأمد مقابل قصير الأمد، والتحكّم مقابل الاسترسال. تُسهم هذه الأبعاد في تفسير الاختلافات الثقافية بين الدول وتوضيح انعكاساتها في مجالات متعددة مثل الإدارة والتعليم والتفاوض الدولي.
يتناول هذا المقال البعد الأول، مسافة القوة، الذي يشير إلى مدى عدم توازن توزيع السلطة في المجتمع، ودرجة قبول الأفراد الأقل سلطة لهذا التوزيع غير العادل. ويُقاس هذا البعد بمؤشر يتراوح بين (1) كأدنى درجة لتقبّل الفوارق في السلطة، و(100) كأعلى درجة لتقبّلها. على سبيل المثال، يسجّل لبنان حوالي 80 من 100 على مؤشر هوفستد لمسافة القوة، مما يعكس تقبّلاً عالياً للتسلسل الهرمي وعلاقات السلطة غير المتكافئة. وتُعد مسافة القوة والمناهج التعليمية في لبنان وثيقة الصلة بالواقع اللبناني، إذ تشير الدراسات إلى أن التوجه نحوها يرتبط ارتباطًا مباشرًا بردود أفعال القيادة ومدركاتها أكثر من أي بُعد ثقافي آخر.
أظهرت الدراسات أن الأفراد ذوي التوجه العالي نحو مسافة القوة يُظهرون خضوعًا أكبر للقيادة، ويحافظون على مسافة اجتماعية أوسع، ويُبدون احترامًا أعمق للاختلافات في المكانة. هؤلاء المواطنون أكثر اعتيادًا على أساليب الإدارة الاستبدادية، مما يجعلهم يتقبلون توجيهات السلطة دون مقاومة. كما يحتاجون عادةً إلى إرشادات صريحة من رؤسائهم لإتمام مهامهم، ويترددون في اتخاذ قرارات مستقلة. ويمتد تأثير مسافة القوة إلى مختلف السبل الاجتماعية، من الأسرة والمؤسسات الدينية إلى المدارس والجامعات وبيئة العمل والهياكل الحكومية، حيث تُكرّس جميعها العلاقات الهرمية ذاتها. في هذه السياقات، غالبًا ما يضع الأتباع “هالة” حول شخصيات السلطة، فيتجاهلون أخطاءهم ويمتنعون عن التشكيك في قراراتهم أو شرعيتهم. أما الأفراد ذوو التوجه المنخفض نحو مسافة القوة، فيرون رؤساءهم أشخاصًا يمكن التواصل معهم بسهولة، ويميلون إلى بناء علاقات أقرب وأكثر أفقية. لذلك، يتوقعون المشاركة الفعّالة في صنع القرار ويطلبون تواصلاً مستمرًا معهم. ومع ذلك، لا يمكن التعميم بأن جميع الدول ذات مسافة سلطة عالية تعاني من الفساد، فدول مثل فرنسا وبلجيكا تسجلان نحو 70 نقطة وتُعتبران من الاقتصادات المتقدمة، حيث تُمارس السلطة فيها غالبًا بشكل أبوي منضبط أكثر من كونه استبداديًا.
إذا كانت خصائص مسافة القوة العالية تنطبق على لبنان، فإن السؤال الجوهري هو: أين وكيف يتعزز هذا التوجه في المجتمع؟ الإجابة تكمن، إلى حد كبير، في النظام التعليمي الذي يشكل وعي الأفراد منذ الصغر. ففي المدارس والجامعات اللبنانية تتجلى مظاهر مسافة القوة والمناهج التعليمية في عدّة جوانب، أبرزها المنهج التلقيني الذي يركّز على الحفظ بدلاً من التفكير النقدي والإبداعي، حيث لا يُعتبر الطالب شريكًا في العملية التعليمية بل متلقٍ سلبي للمعرفة من شخصية السلطة المتمثلة في المعلم. كما أنّ العلاقة بين المعلم والطالب علاقة هرمية صارمة تُعدّ فيها كلمة المعلم “مقدسة”، ونادرًا ما يُشجّع الطالب على نقد أو مناقشة أفكار أستاذه. أما الامتحانات والتقييم، فتقيس كفاءة الطالب بمدى حفظه لما أُعطي له لا بقدرته على التحليل أو الابتكار، مما يعزز فكرة أن المعرفة تأتي من الأعلى ويجب نقلها كما هي. وتفتقر الأنشطة اللاصفّية غالبًا إلى المساحات التي تشجع العمل الجماعي الأفقي والقيادة التشاركية، وتُهيمن عليها المنافسة الفردية ضمن نظام رقابي صارم.
حين يتخرج الطالب من نظام تعليمي كهذا، يكون قد تشرّب ثقافة الخضوع وعدم المساءلة. يدخل سوق العمل، في القطاعين العام والخاص، بعقلية تعتمد على الأوامر والتعليمات المباشرة، مما يخلق بيئة خصبة للبيروقراطية والفساد. فهو لا يجرؤ على مساءلة رؤسائه الذين بدورهم لا يتقبلون النقد أو المحاسبة. ومع مرور الوقت، يصبح عدم العدالة في توزيع السلطة والامتيازات أمرًا طبيعيًا ومقبولًا. باختصار، النظام التعليمي في لبنان لا يعالج آفة الفساد؛ بل يُربّي أفرادًا قابلين له. فهو يزرع بذور القبول بالهرمية الصمّاء، والتي تترجم لاحقًا في الحياة العامة إلى قبول بالمحسوبية والواسطة وعدم المطالبة بالحقوق، لأن “صاحب السلطة” يعرف أفضل. وبينما لا تؤدي مسافة القوة العالية حتمًا إلى الفساد، كما في حالة فرنسا وبلجيكا، فإنها في غياب مؤسسات رقابية قوية وسيادة حقيقية للقانون، كما هو الحال في لبنان، تصبح الوقود الذي يغذي استمراريته.
ليس الهدف من هذا المقال تحطيم المقامات أو التقليل من شأن أصحاب المراكز في الحياة الاجتماعية، بل لفت النظر إلى السلبيات العديدة لمسافة القوة العالية على سلوك الأفراد والجماعات، خاصة في ما يتعلق بتفشي الفساد وغياب المساءلة والمحاسبة. كذلك، لا يهدف المقال إلى رفض المراتب والمراكز التي تُعد جزءًا أساسيًا من المجتمعات البشرية ولها فوائد عديدة. فوفقًا لهاليفي وآخرين (2014)، يُعدّ التسلسل الهرمي ظاهرةً شائعة في التنظيم الاجتماعي منذ عصور ما قبل التاريخ، نظرًا لقدرته على التكيف الوظيفي وتحسين فرص بقاء الجماعة ونجاحها. فهو يُمكّن من تقسيم العمل وتنسيق الجهود، ويُقلل من الصراعات ويزيد من التعاون الطوعي، ويُهيئ بيئةً مُجزيةً نفسيًا، ويُحفّز الأداء من خلال الحوافز المرتبطة بالترقي، ويُستغلّ التأثير النفسي للسلطة لتعزيز الانضباط والإنتاجية.
وبناءً على ذلك، لا نقول إن جميع الثقافات ذات مسافة قوة عالية فاسدة، بل إن هذه السمة تصبح عاملًا مساعدًا على تفشي الفساد عندما تغيب الرقابة والمساءلة كما في لبنان. لذلك، يجب أن تركز إصلاحات التعليم على أساليب تعلّم تشاركية تشجع على المساءلة، والحوار، وتحمل المسؤولية المشتركة. كما ينبغي على المعلمين أن يجسّدوا روح المساءلة بدلًا من التسلّط، وأن تكافئ المناهج التعليمية التفكير النقدي والتأمل الأخلاقي بدلًا من الطاعة العمياء. ومع مرور الوقت، يمكن لهذه الإجراءات أن تساعد المجتمع اللبناني على الحفاظ على إيجابيات الهيكلية التنظيمية مع الحدّ من نزعتها نحو الفساد. فالإصلاح الحقيقي لا يبدأ من القوانين فقط، بل من الصفوف الدراسية التي تُعيد تعريف العلاقة بين السلطة والمعرفة، بين القائد والمواطن، وبين التعليم والمساءلة.



