مكتبة حسن كامي: رجلٌ احتفى بالكتب ومات بها. بقلم فاروق غانم خداج

ليس كل إنسان يترك إرثًا يخلِّد اسمه بعد الرحيل، فكثيرون يمضون كما لو لم يكونوا، ولا يبقى لهم أثرٌ إلا في دفاتر السجلات الرسمية أو على حجارة القبور.

غير أنّ بعض الأرواح تختار أن تتجسّد في معنى أعمق من وجودها الفردي؛ فتغدو رمزًا لما هو أكبر من الجسد والزمن. هكذا كان الفنان المصري حسن كامي، الذي وُلد في المسرح والموسيقى، لكنه أنهى أيامه بين دفّتي الكتب، فاتخذ من هذا العالم المليء بالحروف قِبلةً وملاذًا ومملكةً.

لم يكن حسن كامي مجرد ممثل ومغنٍّ أوبرالي يملأ الخشبات بصوته وأدائه، بل كان مفتونًا بالمعرفة. جمع في بيته معقلًا ثقافيًا يضم أكثر من 120 ألف كتاب، منها ما لا يقدَّر بثمن، وما لم ير النور إلا مرات معدودة.

بين مقتنياته خمس نسخ من كتاب وصف مصر الذي ألّفه علماء الحملة الفرنسية، باع إحداها إلى جامعة أمريكية بمائة ألف دولار، وكأنه أراد أن يذكّر العالم أن مصر ما زالت تبيع آثارها الورقية كما تبيع آثارها الحجرية.عُرض عليه مبلغ ثمانية عشر مليون دولار مقابل هذه الكنوز، لكنه رفض.

بالنسبة له، لم يكن الكتاب سلعة تُباع وتُشترى، بل حياة كاملة. كان يرى في رفوف معقله الثقافي صورةً لزوجته نجوى، التي اعتادت أن تجلس بين الكتب ساعاتٍ طوال، فبقيت روحها معلّقة هناك. كيف يبيع إذن ما هو جزء من ذاكرته وامتداد لعاطفة لا تموت؟هذا البعد الإنساني هو ما يجعل حكاية كامي متميزة.

فقد أدرك أن الكتاب ليس مجرد وعاء للمعرفة، بل رفيق يحفظ ملامح من نحب بعد رحيلهم. وقديمًا قيل إنّ الكتاب صديقٌ لا يخون، وهو الصديق الذي يظل حاضرًا في الشدائد والغياب.

بعد وفاته في الرابع عشر من ديسمبر 2018، اشتعل الجدل حول مصير الكنز الثقافي الذي تركه. منظمات عالمية ومتاحف ودور نشر ورجال أعمال، جميعهم يتطلعون إلى اقتنائه.

لكن أي ثمن يستطيع شراء ذاكرة رجل قضى حياته بين الحروف؟ وأي سوق يجرؤ على وضع قيمة لتجارب إنسانية تراكمت عبر خمسة قرون، حيث تضم بعض هذه المجلدات مخطوطات عمرها خمسمائة عام؟لو عاش العقاد اليوم لقال إن حسن كامي لم يكن جامعًا للكتب فقط، بل فيلسوف المعقل؛ رجل اختار أن يجعل الثقافة وطنه الأخير. والعقاد نفسه كان يرى أن الإنسان لا يُقاس بمناصبه ولا بألقابه، بل بما يتركه من فكر.

وكامي ترك ما يكفي لتغذية عقول أجيال متعاقبة.إنّ قصته تذكير لنا بأن الثقافة ليست ترفًا ولا هواية عابرة، بل معنى يمنح الحياة قيمتها. في زمنٍ تُقاس فيه الأشياء بالمال وحده، جاء هذا الفنان ليعلن أن هناك ما لا يُشترى وما لا يُقدَّر بثمن.

وإذا كان بعض الأغنياء قد جمعوا القصور والسيارات، فقد جمع هو الكتب، فصار أثره أبقى.لقد قضى كامي أيامه على خشبة المسرح، لكنه أنهى رحلته بأعظم سيمفونية: معقل عامر بالحياة لا يموت. فلنجعل من سيرته دعوةً لنا جميعًا، لنقدّر قيمة الكتاب، ونبني بصفحات العلم والمعرفة حصونًا تحمي الذاكرة وتُبقي أرواحنا حيّة بعد الغياب.

شارك هذا المقال :
WhatsApp
Facebook
X
LinkedIn