مرّ لبنان في السنوات الأخيرة بظروف استثنائية قاسية، بدءًا من الحراك الشعبي، مرورًا بانفجار مرفأ بيروت، ثم جائحة كورونا، فالانهيار المالي، وصولًا إلى الحرب الأخيرة على لبنان.
وفي خضمّ كل هذه الأزمات، واصل موظفو بلدية بيروت، مشكورين، أداء واجباتهم ومتابعة أعمالهم والاهتمام بالمدينة وأهلها، رغم قساوة الظروف وضيق الإمكانات.
لم تُوجَّه إليهم كلمات شكر تليق بتضحياتهم، ولم يكونوا يومًا بانتظارها، إذ كان دافعهم الدائم إحساسهم العالي بالمسؤولية والانتماء. لم يثنِهم عن أداء واجباتهم أي ظرف أو كارثة، حتى حين أصبح راتبهم لا يتجاوز بضعة دولارات. عملوا بمحبة، وبإخلاص، وبمسؤولية كاملة.
ومن البديهي أن من يعمل قد يخطئ، أما من لا يعمل فلا يُخطئ. إن حصول تجاوزات من شخص أو شخصين لا يجوز أن يضع جميع الموظفين في موقع الاتهام. القضاء هو المرجع الفصل، وللناس كرامتهم وحقوقهم القانونية في رفض أي تلميح أو تجريح أو قدح أو ذم.
الأمر الأخطر، والذي يشي بمآرب غير واضحة، هو الإهمال المتعمّد والتفريغ الممنهج لجسم بلدية بيروت، عبر وقف التوظيف ومنع التعاقد. لا بد من التنبه إلى خطورة النقص الحاد في عدد الموظفين، لا سيما مع اقتراب عدد كبير منهم من سن التقاعد. كما أن تحميل الموظف الواحد أكثر من مهمة ليس حلًا، فضلًا عن أن الخبرات المتراكمة التي تغادر لا يمكن تعويضها بسهولة.
والأجدى هو إعادة التعاقد مع هذه الكفاءات لضمان استمرارية سير العمل ونقل الخبرات.إن الحل لا يكمن في الخصخصة، بل في المكننة والتحديث الإداري. ونرفض رفضًا قاطعًا أن تُدار بلدية بيروت عبر مكاتب أو شركات خاصة. فهذا الصرح العريق ليس ملكًا لأحد، ولن يُقسَّم كما يُقسَّم قالب الحلوى.
وعليه، نتمنى على معالي وزير الداخلية، وعلى سعادة محافظ مدينة بيروت، إقرار آلية تتيح التعاقد مع من بلغوا سن التقاعد، إلى حين فتح باب التوظيف، على أن يتولوا تدريب الكوادر الجديدة وضمان حسن سير العمل. كما نتمنى على الإخوة المعتكفين، وهم أصحاب حق، تعليق اعتكافهم والعودة إلى مزاولة أعمالهم، لا لشيء إلا رحمةً بمعاملات أهل المدينة الذين قابلوهم دائمًا بالمحبة والاحترام.



