اَلتَّرْبِيَةُ أَوْلَوِيَّةٌ وَطَنِيَّةٌ لَا وَرَقَةٌ تَفَاوُضِيَّةٌ. بقلم فاروق غانم خدّاج

ما من قضيةٍ أخطرُ على مستقبلِ الأممِ من قضيةِ التربيةِ، فهي البذرةُ الأولى التي تُثمرُ حضارةً أو تُنبتُ خرابًا.

في الدولِ المتقدّمةِ، يُنظرُ إلى وزارةِ التربيةِ بوصفِها وزارةَ المستقبلِ، لا وزارةً عابرةً في تقاسُمِ الحقائبِ الوزارية. هناكَ، الوزيرُ هو رجلُ اختصاصٍ يحملُ رؤيةً شاملةً لإصلاحِ النظامِ التعليميّ، ويُحاسَبُ على الإنجازاتِ الملموسةِ.

أمّا في العالمِ الثالث، فكثيرًا ما تتحوّلُ وزارةُ التربيةِ إلى مجرّدِ منصبٍ لتوزيعِ المكاسبِ وتكريسِ الولاءاتِ السياسية، فيغيبُ المعيارُ التربويُّ لصالحِ الحساباتِ الضيّقة.

ولبنانُ، بما يرزحُ تحتهُ من أزماتٍ سياسيةٍ واقتصاديةٍ متشابكة، يقدّمُ مثالًا حيًّا على هذه المعضلة. فالتعييناتُ الوزاريةُ فيه كثيرًا ما تأتي نتيجةَ توازناتٍ طائفيةٍ ومحاصصاتٍ حزبية، لا ثمرةَ نقاشٍ علميٍّ أو تقييمٍ للخبرات. فيتقدَّمُ معيارُ الانتماءِ على معيارِ الكفاءةِ، وتُصبحُ المدرسةُ الرسميّةُ حقلَ تجاربٍ لوزراءَ يتبدّلونَ مع تبدّلِ المزاجِ السياسيّ.

غيابُ الاستقرارِ التربويّ

تُعاني المدرسةُ الرسميّةُ في لبنانَ من مشكلاتٍ متراكمةٍ: نقصُ التمويلِ، تردّي البنيةِ التحتيّةِ، هجرةُ الكفاءاتِ التربويّةِ، وغيابُ استراتيجيةٍ وطنيّةٍ واضحةٍ للتطويرِ.

هذهِ الأزماتُ لا تنفصلُ عن طبيعةِ الاختيارِ الوزاريّ. فكلُّ وزيرٍ يأتي بمشروعٍ جديدٍ أو أجندةٍ خاصّة، ثم يرحلُ قبلَ أن يكتملَ التنفيذُ. وهكذا تظلُّ التربيةُ رهينةَ انقطاعاتٍ مزمنة، بدلًا من أن تكونَ مسارًا متّصلًا من التخطيطِ والإصلاح.

والأخطرُ أنّ بعضَ الوزراءِ يفتقرونَ أصلًا إلى الحدِّ الأدنى من الخبرةِ التربويّةِ أو الأكاديميّةِ، ما يجعلُ الوزارةَ تُدارُ بالعقليةِ الإداريّةِ أو الحساباتِ السياسيّةِ، لا بالمعاييرِ العلميّة. وفي هذا خسارةٌ فادحةٌ لجيلٍ بأكملهِ يبحثُ عن حقِّه الطبيعيِّ في تعليمٍ نوعيٍّ وعادل.

تداخلُ النفوذ: الطاقمُ الإداريّ مقابل الوزير

ولا يقف الخلل عند حدود آلية التعيين السياسي، بل يمتدّ إلى بنية الوزارة نفسها، حيث يظلّ كثيرٌ من الموظفين الكبار ــ الذين قضوا عقودًا في مواقعهم ــ أصحاب نفوذ فعلي، بينما يأتي الوزير بمدةٍ محدودةٍ لا تكفي لفهم التعقيدات أو كسر الشبكات المتجذّرة.

هؤلاء الموظفون يعرفون خفايا الوزارة، ويتقنون إدارة الموارد البشرية والموازنات والتعامُل مع الضغوط السياسية، فيصبحون غالبًا المرجع الحقيقي للقرارات الجوهرية، ويقودون سير العمل بما يضمن مصالحهم الخاصة أحيانًا، بدلًا من التركيز على الإصلاح التربوي الشامل. وهكذا، يتحول الوزير أحيانًا إلى واجهةٍ شكلية، فيما القرار الحقيقي يتوزع بين مستشارين وموظفين محنّكين اعتادوا أن يكونوا أصحاب الكلمة الفصل.

التربيةُ أولويةٌ وطنيّةٌ لا ورقةٌ تفاوضيّة

لا يُبنى وطنٌ من دونِ مدرسةٍ، ولا تُشيَّدُ حضارةٌ من دونِ قلمٍ. إنّ التربيةَ ليست خدمةً ثانويّةً بل هي أساسُ العقدِ الاجتماعيِّ الجديد.

لكنّ التعاملَ معها في لبنانَ غالبًا ما يكونُ كتعاملِ التجّارِ مع السلعِ؛ كلُّ فريقٍ يريدُ حصّتَه منها، غيرَ مدركٍ أنّ ما يُباعُ هنا هو مستقبلُ أولادِه قبلَ أولادِ الآخرين.

ومن هنا، يبرزُ السؤالُ الجوهريُّ: كيفَ نضمنُ أن يكونَ وزيرُ التربيةِ في لبنانَ صاحبَ كفاءةٍ حقيقيّةٍ لا مجرّدَ ممثّلٍ لطائفةٍ أو حزب؟

نحوَ عهدٍ وطنيٍّ لاختيارِ وزيرِ التربية

قد يكونُ من الضروريِّ، بل من الملحِّ، أن يُعقَدَ عهدٌ وطنيٌّ جامعٌ بينَ القوى السياسيةِ والمجتمعيةِ، يُقرُّ بأنّ وزارةَ التربيةَ لا تُدارُ بالمحاصصةِ بل تُدارُ بالمعرفةِ.

عهدٌ يضمنُ أن يُختارَ وزيرُ التربيةِ على أساسِ مبادئَ واضحةٍ: الكفاءةُ الأكاديميّةُ، الخبرةُ التربويّةُ، النزاهةُ، والاستقلاليّةُ عن التجاذباتِ الضيّقة. فكما لا يمكنُ أن نضعَ وزارةَ الدفاعِ في يدِ مَن لا يعرفُ أبجديّاتِ الأمنِ، لا يجوزُ أن نضعَ وزارةَ التربيةِ في يدِ مَن لم يعشْ يومًا في رحابِ المعرفةِ أو لم يختبرْ تحدّياتِ التعليمِ.

إنّ صياغةَ هذا العهدِ ليست ترفًا بل ضرورةٌ لحمايةِ الأجيالِ المقبلة. فالتربيةُ هي الجسرُ الذي تعبرُ عليهِ الشعوبُ من ظلماتِ التخلّفِ إلى أنوارِ الحضارةِ، وكلُّ عبثٍ بهذا الجسرِ يعني تعريضَ المسيرةِ الوطنيّةِ كلّها للانهيار.

دروسٌ من العالمِ المتقدّم

في فنلندا مثلًا، لا يُختارُ وزيرُ التربيةِ إلّا من بينِ أهلِ الاختصاصِ، وتُبنى السياساتُ التعليميّةُ بالتعاونِ مع الجامعاتِ والمراكزِ البحثيّةِ، بعيدًا عن الاستقطابِ السياسيّ.

وفي سنغافورة، التي كانت في منتصفِ القرنِ الماضي دولةً فقيرةً بمواردِها، جُعلت التربيةُ حجرَ الزاويةِ في مشروعِ النهضةِ، فانتقلتْ خلالَ عقودٍ قليلةٍ إلى مصافِّ الدولِ الأكثرِ تطوّرًا في العالمِ.

هذه النماذجُ ليست بعيدةَ المنالِ عن لبنانَ لو توفّرَ القرارُ والإرادةُ.

خاتمةٌ: بينَ الأملِ والمسؤوليّةِ

إنّ معيارَ اختيارِ وزيرِ التربيةِ هو الفيصلُ بينَ أمّةٍ تبني مستقبلَها على أسسٍ علميّةٍ رصينة، وأمّةٍ ترهنُ مستقبلَها للمصالحِ الضيّقة.

ولبنانُ، أمامَه خيارٌ وحيد: إمّا أن ينزعَ يدَ السياسةِ عن التعليمِ فيلتحقَ بركبِ الحضارةِ، أو يظلَّ رهينَ المحاصصةِ فيتخلّفَ عن ركبِ الأمم. المسؤوليةُ تاريخيّةٌ، والرهانُ وجودُنا نفسُه.

فإمّا أن نختارَ الكفاءةَ لتقودَ مشروعَنا التربويَّ إلى برِّ الأمانِ، أو نسلّمَ رُبّانَ السفينةِ لمَن لا يعرفُ سوى فنِّ إرضاءِ الركّابِ، حتّى لو كانَ الإبحارُ إلى غيرِ وجهة.

إنّ التربيةَ، في جوهرِها، عهدٌ بينَ الدولةِ والمجتمعِ، بينَ الحاضرِ والمستقبلِ. ولن يستقيمَ هذا العهدُ إلّا إذا صارت وزارةُ التربيةِ منصّةً للكفاءةِ لا منبرًا للمحاصصةِ، ومحرابًا للعلمِ لا ميدانًا للسياسةِ الضيّقة.

عندها فقط، يمكنُ للبنانَ أن يحلمَ بنهضةٍ حقيقيّةٍ، وأن يعيدَ رسمَ صورتِه وطنًا للعلمِ والمعرفةِ، لا ساحةً لصراعِ الطوائفِ والأحزابِ.

شارك هذا المقال :
WhatsApp
Facebook
X
LinkedIn