تتوالى السّنين…وكأنّ هذا الوطن يُختبر في كل مرّةٍ بطريقةٍ جديدة. مرّةً تُثقل كاهله الأوجاع الصّحيّة، ومرّةً تُحاصره التّقلّبات الإقليميّة،
وفي كلّ مرّة… ينزف لبنان بصمتٍ يعرفه أهله جيّدًا،
نزيفٌ لا يُرى دائمًا… لكنّه يُحَسّ في القلوب. بلد الأرز… لا يتوقّف عن الانكسار،
ولا يتوقّف في المقابل عن النّهوض. نحن شعبٌ تعلّم أن يقف حين يسقط،
أن يُرمّم ذاته بيديه، وأن يزرع الأمل… حتى في أكثر الأرض قسوة.
لكن، وسط هذا الصّمود الظّاهر، تدور معركةٌ صامتة… داخل البيوت، داخل القلوب، داخل الأطفال.
هناك من ترك منزله…من حمل ذاكرته ورحل. وهناك من بقي… تحت وقع الأصوات التي لا تُشبه الحياة،
يعدّ الثواني… لا الأيام،ولا يدري متى يحين دوره في الخوف.
وفي خضمّ هذا التخبّط،يبقى الأبناء… هم الأكثر هشاشة.
فالطّفل لا يخاف فقط ممّا سيحدث،
بل ممّا يشعر به أهله.
يرى القلق في العيون،يسمعه في نبرة الصّوت، ويعيشه… دون أن يعرف كيف يُسمّيه.
وهنا… يبدأ دور الأهل الحقيقي. ليس المطلوب أن تكونوا مثاليّين،ولا أن تُخفوا تعبكم، بل أن تكونوا مساحة أمان.
لأنّ الطفل، في هذه الظّروف، لا يحتاج إلى “أهلٍ بلا خوف”…بل إلى أهلٍ يُطمئنون رغم الخوف.
دماغه الآن في حالة تأهّب، كأنّه ينتظر خطرًا في كل لحظة، وأنتم… صوته الدّاخلي الذي يهدأ به العالم.
علّموه أن يقول:“أنا خائف”…بدل أن يصرخ، أو ينسحب، أو يتغيّر سلوكه دون تفسير.
فالأطفال لا يعبّرون دائمًا بالكلمات، بل بالسّلوك ،بالانفعال…بالصّمت. ومع عودة التّعليم بأنواعه:الحضوري، والتّعليم عن بعد، وفي المناطق الآمنة وغير الآمنة،
ومراكز الإيواء …لا تجعلوا الدّراسة عبئًا إضافيًا، بل اجعلوها ملاذًا. فالرّوتين… ليس تفصيلًا بسيطًا، إنّه إعادة ترتيب للعالم داخل الطّفل.
حين يجلس ليتعلّم،يستعيد إحساسه بأنّ الحياة مستمرّة، وأنّ هناك ما يمكن الإمساك به… وسط الفوضى. فالطّفل المتعلّم لا يكتسب معلومات فقط، بل يكتسب قدرة على المواجهة.
وهنا… بعض التّقنيات التي يمكن أن تُحدث فرقًا حقيقيًا:
أولًا: مساحة ثابتة… ولو صغيرة، ليس المهمّ حجم المكان، بل ثباته.ركنٌ بسيط في البيت، طاولة صغيرة، زاوية هادئة…تصبح مع الوقت رسالة للطفل:“هنا… نحن بخير”. وإن ضاقت الأماكن، فلتكن الطّبيعة بديلًا…شجرة، شرفة، ضوء شمس…كلّها مساحات شفاء.
ثانيًا: دفتر المشاعر، حين تعجز الكلمات… يتكلّم الرّسم. أعطوه دفترًا، ودعوه يلوّن خوفه، قلقه، غضبه…فالرّسم ليس لعبًا، بل تفريغٌ عميق لما لا يُقال.
ثالثًا: لغة الأمان، كرّروا على مسامعهم عبارات بسيطة…لكنّها تصنع فرقًا كبيرًا: “أنا معك”“أنت بأمان”“لن أتركك” واصنعوا معهم خيالًا حاميًا…“فقاعة الأمان” مكانٌ وهميّ، يدخلونه حين يخافون، لكنّ أثره… حقيقي جدًا.
رابعًا: تنفّس الاطمئنان، حين يتسارع القلب…أعيدوا للجسد هدوءه. شهيق بطيء… ٤ ثوانٍ حبس النفس… ثانيتان زفير طويل… ٦ ثوانٍ ومع كل زفير، يهمس الطّفل: “أنا بأمان… أنا هادئ ”كرّروها خمس مرّات، وسترون كيف يهدأ الجسد… قبل الكلمات.
خامسًا: حماية الحواس، الأخبار ليست للأطفال، والضّجيج الخارجي… يتحوّل بسهولة إلى قلق داخلي. لا تكذبوا عليهم، لكن لا تُغرقوهم بالتّفاصيل. واستبدلوا ذلك… بموسيقى هادئة، بأصوات تُشبه الحياة، لا الخوف.
سادسًا: التّأريض (Grounding)حين يضيع الطّفل في قلقه…أعيدوه إلى “الآن”. اطلبوا منه: ٥ أشياء يراها ٤ أشياء يلمسها ٣ أصوات يسمعها ٢ روائح يشمّها ١ شيء يتذوّقه بهذا… يعود من الخوف… إلى الحاضر.
وأخيرًا: الحضن لا شيء يعادل حضنًا صادقًا. اقتربوا منهم…دعوا أجسادكم تقول ما تعجز عنه الكلمات.ولا تقارنوا أنفسكم بظروفٍ “طبيعيّة”…فأنتم لا تعيشون ظرفًا طبيعيًا أصلًا. أنتم تفعلون المستحيل… كل يوم، وهذا… بطولة. ولا تنسوا أنفسكم، فالأهل المنهكون… لا يستطيعون منح الأمان.
اعتنوا بقلوبكم، بهدوئكم، بأنفاسكم، لأنّ الأطفال لا يعيشون فقط في بيوتكم، بل في حالتكم النّفسيّة. وفي النّهاية…تذكّروا: أنتم لا تكتفون بحماية أطفالكم، بل تُربّون جيلًا…سيبني السّلام. وكلّ يوم تصمدون فيه، كلّ لحظة احتواء، كلّ كلمة طمأنينة…هي سطرٌ جديد، تكتبونه… في تاريخ أمّة، ويبقى الأمل الشّيء الوحيد الذي لا تستطيع الحروب قتله.



