الأرواح الجائعة خلف الأبواب المغلقة: حين ننسى فن “الالتفات” | د. ربى نصر

نحن نعيش في زمن “الوفرة المادية” و”المجاعة العاطفية”. قد تجد بيتاً عامراً بكل سبل الرفاهية، لكن يسكنه أفراد يعيش كل منهم في جزيرة معزولة. الواقع الذي نحاكيه اليوم ليس نقصاً في الموارد، بل هو “جفاف في المشاعر” خلف جدران البيوت الصامتة.

ضريبة “الاستغناء” الزائف

لقد روجت الثقافة الحديثة لفكرة “أنا لا أحتاج أحداً”، فصار كل فرد منا يحاول إثبات قوته من خلال الانعزال. هذا الاستغناء الزائف قتل روح التكافل الاجتماعي؛ لم نعد نجرؤ على طلب المساعدة، ولم نعد نملك الفطرة للمبادرة بها. لقد أصبحنا نعتبر السؤال عن أحوال الآخرين “تدخلاً”، والصمت “خصوصية”، حتى جفّت الينابيع التي كانت تغذي أرواحنا بالانتماء.

المجاملة على حساب الصدق

في واقعنا الحالي، تحولت العلاقات إلى ما يشبه “المراسم الدبلوماسية”. نبتسم في المناسبات، نوزع عبارات الودّ المنمقة، لكننا نغادر بقلوب لم تلمسها السكينة. لقد استبدلنا العتاب الصادق الذي يُصلح النفوس، بالانسحاب الهادئ الذي يقتلها. فنحن “نجامل” الجميع، لكننا لا “نحتوي” أحداً.

سيادة ثقافة “الاستحقاق”من أكثر الظواهر التي تشوه واقعنا اليوم هي أن الجميع ينتظر أن يبدأ الآخر بالخطوة الأولى. “لماذا لم يتصل بي؟”، “لماذا لم يبارك لي؟”. لقد أصبحنا نطبق قوانين التجارة على المشاعر؛ ننتظر المقابل قبل العطاء، ونحاسب بالمليم على مقدار الاهتمام، فصار الودّ ديناً ثقيلاً بدلاً من أن يكون نهراً جارياً.

كيف نرمم هذا الواقع؟

الحل لا يكمن في محاضرات التنمية البشرية، بل في العودة إلى “إنسانية العفوية”:• الإصغاء بقلب: أن نسمع ما لا يقال خلف الكلمات المقتضبة.

كسر كبرياء المسافات: أن نبادر بالسؤال دون انتظار “الدور”.

تجاوز المظاهر: أن ندرك أن خلف كل قناع “قوة” إنسانٌ يحتاج إلى كلمة طيبة.

خلاصة القول:

الواقع الحقيقي ليس فيما نملكه، بل فيمن نأوي إليهم بكسورنا فيجبرونها. إن ترميم المجتمع يبدأ من ترميم “اللحظة” التي نجمعنا بمن نحب، بعيداً عن الحسابات والمظاهر.

شارك هذا المقال :
WhatsApp
Facebook
X
LinkedIn