الذكاء الاصطناعي في التعليم اللبناني: من هندسة البيانات إلى دعم القرار الاستراتيجي. د. بيار الخوري

«ربطًا بواقعنا المحلي، وطالما أننا نتوقف عند مصطلح الذكاء الاصطناعي فقط سنفشل في تحقيق أي أثر حقيقي. استخدام AI في المؤسسات التعليمية الكبرى والعالمية لا يقتصر على نماذج اللغة أو الذكاء التوليدي أو حتى الـ Agentic AI، بل يتجاوز ذلك إلى التحول الرقمي العميق وعلم البيانات وبناء بنية Data Engineering قوية وتحليل البيانات لاستخراج Insights واستشراف المستقبل بناءً على المعلومات. الذكاء الاصطناعي ليس نقطة البداية بل نتيجة نضج رقمي وبياني وأداة لدعم القرار الاستراتيجي وصناعة المستقبل لا مجرد تقنية مستقلة».

بهذه الكلمات المكثفة وضع الأستاذ طارق الباشا إصبعه على جوهر الإشكالية التي تعيق النقاش التربوي العربي، وخصوصًا في لبنان، حيث ينحرف التركيز نحو تسمية التقنية بدل بناء الأسس التي تجعلها منتجة. فالمدارس والجامعات العالمية التي حققت أثرًا فعليًا بالذكاء الاصطناعي لم تبدأ بنموذج لغوي أو مساعد آلي، بل ببنية رقمية سبقت ذلك بسنوات، قوامها أنظمة بيانات متكاملة تجمع كل ما يتعلق بالطالب، من الأداء الأكاديمي إلى السلوك والحضور والتفاعل، وتحوّله إلى أصل قابل للتحليل والتوظيف.

هناك، تُدار العملية التعليمية عبر فرق هندسة بيانات تبني خطوط تدفق وتنظيف وتوحيد البيانات، وفرق تحليل تستخرج الأنماط وتحوّلها إلى مؤشرات قابلة للقياس والاستشراف، قبل أن يُسمح للـ AI بأن يعمل كطبقة متقدمة تخدم القرار الاستراتيجي.

في المقابل، يعاني التعليم اللبناني من غياب معايير بيانات موحّدة بين المؤسسات، وضعف الاستثمار في أنظمة التخزين والمعالجة، والانجراف نحو الانبهار بالأدوات الجاهزة التي تعمل بلا سياق محلي ولا مدخلات تربوية عميقة، فيتحوّل الـ AI إلى ضجيج تقني بدل أن يكون محركًا للتحوّل.

والواقع أن الذكاء الاصطناعي في التعليم لا يستقيم كحل مستقل، لأنه ليس بديلاً عن المنظومة التربوية، بل أداة تضاعف فاعليتها حين تتغذّى على بيانات عالية الجودة وتُقاس بمؤشرات دقيقة، فتتمكن المؤسسة من تخصيص التعلم وفق احتياجات كل طالب، تحسين توزيع الموارد، كشف المخاطر التعليمية مبكرًا، وإعادة تصميم المسارات التربوية بما يواكب سوق العمل المحلي والعالمي، بدل إدارة التعليم كرد فعل متأخر على الأزمات.

هذه الفلسفة تتطابق مع جوهر ما يعمل عليه مشروع تطوير نظام تعليمي لبناني بديل ومتوافق مع القوانين، لأن الابتكار الحقيقي ليس في إدخال الذكاء الاصطناعي إلى الصف، بل في بناء النضج الرقمي والبياني الذي يسمح للتعليم أن ينتقل من استهلاك التكنولوجيا إلى توظيفها لإعادة هندسة التجربة التربوية نفسها، لا لاستبدالها.

وعليه، فإن التحوّل الحقيقي في لبنان يبدأ حين تصبح البيانات وهندستها وتحليلها عصب القرار التربوي، وحين يُعامل الذكاء الاصطناعي كنتيجة منطقية لهذا النضج، لا كنقطة انطلاق معزولة عنه. حينها فقط يصبح الـ AI قوة استشراف ودعم قرار وصناعة مستقبل، لا مجرد أداة تعليم لامعة بلا أثر.

شارك هذا المقال :
WhatsApp
Facebook
X
LinkedIn